01/06/2007

-----------------------

 

-----------------------

 
 
 
 
 

 

وداعاً دجلة

الكاتبة والشاعر السعودية ردندة المغربي _ باريس

r_parisetmoi@hotmail.com

 
 
 

 أكتبُ الآن و خلف الباب فاجعة تنتظر ..
أكتب وليس هناك عطر يٌشم ولا وردٌ يُقطف و لا صباحٌ يُرتجى من سماء صُبت فوق رؤوسنا من النحاس والحديد ..
أكتب والصور يُخاتلُها دمع عيني و يعترِض حلقي خنجر ، فلا ذُبحت و لا نجوت ..

هذا عصر الرماد و تحته جمر قلبي ..

يا الله ..
يا الله ..
لا سقف نحتمي به من طيور الدم ..
ولا فضاء نلوذ به من رشق السهام ..
و الصدى لا يسمع صرختنا ..
و في الليل مذبحة ..
و في النهار نعوش تُحمل على الأكتاف ،
ليرتمي أحبتنا ترابا تحت أقدامنا ..

خذلتنا يا إلهي سماء النخيل و هضاب دجلة ..
خذلتنا أيدينا و أمانينا و وسادة الأحلام ..
و لا رجاء إلا أنت إن عز الرجاء ..
أتينا ضعفاء لهذه الدنيا و نخرج منها منكسرين
و بين الضعف و الانكسار ذل و هوان ..
نموت يالله و يبقى نورك في الأرض ..
نموت و ملابسنا المبللة بدمع الأحداق لم تجف ..

فارحمنا .. ارحمنا ..
بعد أن باتت أقصى أمانينا ميتة عز .
فلا يفجع حبيب لنا ، ولا يشمت عدو فينا ..

و رحمتك .. رحمتك فقط ..
لنلتقط أنفاسنا من هواء تكاثفت به الفواجع،
و طغى به جنون البارود على مواويل غنائنا ..
و من بعد .... فليمضي قدرك فينا ..

أي حياة نرتجيها و نحن نلم أصابع أطفالنا من الطرقات ؟
نعدها إصبعا إصبع نقبلها و نبحث لها عن كف مبتور
غرق بروث السفاحين و أخبار لا تروي إلا نصف الفاجعة ..
أي حرية نعشقها بعد اليوم و نحن مسيجون بفوهات البنادق و عيون تعد علينا الأنفاس ..
و قبائل الموت تزحف فوق أكتاف كهولنا ..
هذا عمر وهذا علي ..
و هذا كحل الشر دق فينا ..

وداعاً دجلة ..
غمست قلبي بماء الفرات و ألبسته الكفن و خبئت به الحنوط فعما قليل أموت ..

و يا إلهي قُتل أصحاب الأخدود ،
و إخوانهم على قتلهم شهود ،
و بالأمس غرناطة و بيت المقدس
و اليوم بغداد ...
فأي غد نرتجيه قولوا ...
أي غد ؟؟
أي موت وديع نشتريه لننجو من زمن القنابل الذكية
و أحذية الغزاة تدوس على دمنا المسفوح بالطرقات؟

نريد أن نغمض الجفن و نقول وداعاً بابتسامة طيبة.
نريد أن نغادر و آخر مشهد تُغلق عليه العين ،
نخلة باسقة في بلادي ..
و الوطن يبحث الآن عن وطن ..
عن تذكرة مرور و جواز سفر لأرض بعيدة
يرتمي عليها كحطام السفن ..
كزبد الأوجاع تغلي في عروقنا ..

يا مطاوي الريح ،،
خذي وطني بعيدا و بعيدا أبعد ..
إلى سجاد الملائكة السارحة في سموات الله ..
إلى عيون حبيبي المفقود و رمش ناعم في جفن صغيري ..
إلى رجاءاتي لا تلقى صدى ..
أما أنا ..
سأبقى هنا ..
بين سقف تهدم و نخل هوى و حصاد محروق ..
سأبقى ألم بكفي عذابات دجلة
و أهدهد على كتفي علم بلادي ..
و ألوح بيدي للراحلين على أكتاف المشيعين ..
سأقول لهم سامحونا ..
سامحوني لأن حتفي لم يأت بعد ،
فآلمني يومي و أمسي و وسادة رأسي ..
آلمتني الأماني التي تمنيتها يوما فخذلتها و خذلتني ..
سامحوني أيها الراحلون ..
فأنا مثلكم جثة لم تجد قبراً ..
موتٌ مؤجل ..
فاجعة لا يتسع لها تاريخ ..
ناصية منقوشة عليها الهزيمة ..
فتات خبز أكلناه يوماً بكرامة ..
و ضياع .. و ضياع .. وضياع ..

سأحمل في دمي أشرعة الزوارق ،
تكتب على دجلة كلام الحمام ..
سأحمل أغاني البدو ..
و بكائيات كربلاء ..
و مواويل الغزالي ..
و جنون الحلاج ..
و جبال كردستان ..
و كل كل هذا العذاب ..
و سأمضي أفتش عن نور الله في أرض بلادي

ساسأل قلبي ما بي ؟
ما بي ؟؟
و حدها سماء بلادي تعرف ما بي !


 

 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية