|
لأول مرة
أدرك ما معنى الانتظار.. أن تنتظرني لوحاتي.. على
جدران يوربيا غاليري
Europia gallery
باريس.. أنا السائحة الهائمة للوصول إلى عالم أوسع من
ضيق ألوانه الحمراء.. كان القلب في الطائرة يحلّق إلى
أبعد من خوفه المحتمل.. لا أدري لماذا نحن دوماً نصل
بأوهامنا إلى آخر الرحلة قبل أن نبدأها؟
باريس
يناديني صوتها الدافئ .. لاخترق بأشعتها الشمسية
انكساراتي.. أغمض عيني.. لأغوص في متعة الصمت..
لوحاتي
الثلاثين تختزل تفاصيل وجهي.. تحّول أنوثتي إلى لون..
تحاكي مسافاتي التائهة بين عتبات المدن. لأول مرة
أيضاً أشعر بأهمية حضور امرأة عربية تغافلها الوطن..
وهاهي الأن تتواجد ليست كسائحة تلقي السلام على اللوفر
louvre
وسانتر بامبيدو
Center Pampidou
بل لإثبات هويتها العربية التشكيلية..
ابتسامتي
كانت أكثر غموضا ًمن الموناليزا.. تمنيت في معرضي
الباريسي لو حضر ليوناردو ديفينشي لاكتشفَ بأننا في
اللحظات الأكثر حميمة مع أنفسنا نصبح كالموناليزا.. بل
أكثر حنانًا منها.
في زوايا
المعرض، أعين الحضور التفت حولي فرحة .. جميل أن تشعر
بأن هناك شخص ما اهتز لبصمات حفرتها قطعة .. قطعة ..
على نسيج تحاكي رموزاً معلنة للإنسانية بأجمعها.. بالألوان
نرسم بسمة سرقها الزمن من أوجاعنا.
شوارع
شانزليزيه عاتبت قلقي .. أعانتني على رمي حمولاتي
المثقلة في معارضها المتوهجة (الواقعية الجديدةLe
nouveau realisme).
تطرفات
الفنانة نيكي دو سان فيلNiki
de saint phalle
, تغريني
بالوقوف أمامها .. تقابلت وقتها رموش أعيننا لأفتحها
على حقيقة مرة .. كل شيء يرحل وتبقى اللوحة شاهدة على
وجودنا بعد المغيب.
في جراند
بلاس
Grand Palais
تجولتُ بين
جنون أرمان
Arman
، ريموند هانز
Raymond Hans،
جون ميلله
John Miller,
أعماقي المتأملة لهذا الصخب المتراكم .. صرخت يا
فنانين العرب لا تقتبسوا عبثيتهم.
على رؤوس
أصابعي مضيتُ في غاليري يوربيا
Europia
galleryأتحسس
لوحاتي.. أُعيد صياغة تفاصيلها من جديد.. بعض الحقائق
قفزت دون وع مني على ألواني.. فبالقلب أُقاوم
تعثراتي لا بريشة تأكلها الزمن.
لخبطات
عقلية.. يعقبها هدوء نفسي.. بدوت أكثر راحة وأنا أهيأ
نفسي للعودة إلى جدة.. جنوني سبقني قبل الرحيل إلى
سانتر بامبيدو
Center Pompidou..
كطفلة
تحررت من أفكارها المشوشرة .. انسحبت مختلسة داخل
سانتر بامبيدو لأصور المحظور..صعدت سلالمه الكهربائية
أسرق النظر صوب برج إيفل.. دوار اخترقني.. فالنظر
للأعالي يمنحني الغثيان.. التقطت صورة لي.. تأملتها
باستغراب لأجد برج إيفل ينحني ضاحكًا من امرأة كلما
عاندها القدر .. اشتدت تحدياً له..
بين
فنانين حي اللاتيني..مشيتُ أراقب جراحاتهم المتفتحة
على تراب الوطن.. تاركة أنيني تُشفى بين أحلامهم..
حقائبي
حُزمت بغصة.. فهذه المدينة الباريسية احتلت بقوة
جزيئات ترسبت في أعماقي .. مانحة لي الفرصة للتنقيب عن
خباياي من جديد..
فما زال
في الوقت متسع لأخربش في ذاكرتي حكايات. . بأكثر من
أحمر...
حين هبطت
الطائرة مطار الملك عبد العزيز .. تأكدت بأنني لم أكن
في حلم... |