01/05/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

كان الصوت يأتي من بعيد

فاطمة المزروعي

قاصة إماراتية

 
 

 

وكنت أعرف مصدره، وواثقا للغاية بأنه يأتي من هناك، من حيث ذلك المنزل القديم.. كان المنزل لرجل في الخمسين من عمره، لديه بقالة صغيرة في نفس الشارع. اعتدنا الشراء منها دائما، واعتاد الناس أن يتعاملوا معه. كان صمته يثيرني وكنت استغرب منه، فهو ليس من النوع الاجتماعي. كان الضيق يتضح على وجهه كلما بدا أحد من الزبائن الحديث معه والسؤال عن بضائعه وأغلب زبائنه كانت من النساء، والغريب انه كان يبتسم كلما دلفت إلى دكانه امرأة، كان يتطلع إليها من رأسها إلى أخمص قدميها، ولم تكن نظرته خبيثة، كانت نظرة عادية، نظرة رجل لا يعرف بالضبط ماذا يريد؟

ولم يكن منزله يبعد كثيراً عن منزلنا، وكان دكانه قريباً من منزله...

وكان الصوت يأتي من هناك.. من منزله..

صوت موسيقى كلاسيكية قديمة، ذكرتني بأيام الحروب والنكسات، وبصراحة كنت أحياناً أتشاءم من هذه الألحان، وأظل طويلاً وأنا متضايق في فراشي، وتأتيني الرغبة بالانتحار والموت، وأجد نفسي متشائماً، كئيباً، حزيناً، وشعور الوحدة والألوان القاتمة مرتسم في عينيّ بوضوح شديد..

كان هذا شعوري في البداية، ولكن مع الوقت بدا الفضول يقتلني، وبالأخص ما خلف تلك الألحان، كانت نافذتي تطل على نفس النافذة التي تأتي منها الألحان، وبهدوء وقفت أمام النافذة، أزحت الستارة، وحملقت، كانت ابنة البقال، إنها هي، لقد رأيتها مرارا تخرج من المنزل، وتذهب إلى بقالة والدها، تساعده في حمل الأغراض وترتيبها، ولكن مع الوقت صار يمنعها من الخروج، كانت في منتصف الثلاثينات، نحيفة للغاية، حتى أن عظمة رقبتها تبدو بارزة، ولديها أصابع طويلة، وعيناها جاحظتان، كنت مرارا أشعر بأنها مريضة، من نظرات عينيها، ذلك الحزن المرتسم في نظراتها، تبدو كسيرة، ذليلة، رغم أن والدها يحبها ولم يكن لديه سواها، ولكن هناك شيء ما يشغلها، يؤلمها..

أياماً تظل وحيدة، فتشغل نفسها بالرقص، كانت ترقص مع صوت الموسيقى وكنت أتابعها باهتمام بالغ من نافذتي، وجهها الشاحب الممتقع، عيناها الجاحظتان اللتان تمتلئان بالفرح كلما ارتفعت ساقاها عن الأرض وتعانقت يداها في حركة رائعة، هي تحاول أن تتعلم، تشاهد الحركات البهلوانية في التلفاز، ثم تقلدها، ورغم أنني متأكد أن هناك من هي أروع وأجمل منها في الحركات وفي الشكل، ولكن حركات هذه الفتاة كانت تعجبني، محاولاتها العديدة، ومنظر وجهها المبتسم كلما طارت في الهواء.

جعلني أشعر بشيء غريب، بحيث إنني تعلقت بها، وكان أهل الحي من حولنا، ينظرون إليها من خلال نوافذهم، ويلقون عليها وعلى والدها وابلا من الشتائم اللاذعة، والسب والكلمات الوسخة، فما كان من والدها إلا أن أحضر لها ستارة باهتة منقطة بالألوان البنية، وضعتها على النافذة حتى لا يراها أحد من الجيران، ورغم أن الكلام قد خفت تدريجيا، ولكن هناك بعض الهمس الذي كان يدور بين الجارات، وكنت أسمعه من جهة، ومن جهة أخرى أقلبه في رأسي، وكنت أنظر إليها في شغف، أتابع تحركاتها الانسيابية على ستار النافذة، وتصل إلي الألحان، فأشعر بشيء من التفاؤل...

كانت حركاتها قد طبعت في ذاكرتي، وعندما يستبد بي الضيق، افتح نافذتي وأتابع حركاتها بشيء من الفرح والرضا..

وبعد فترة انتقلنا من هذا الحي، بسبب ظروف عمل والدي، وكنت أمر على البقالة أشتري ما احتاجه من المصاصات، لي ولأصدقائي في المدرسة، وكنت أتابعها من خلف ستارتها، لم تتغير، إنها نفسها، أشعر وكأن هناك شيئاً ما في صدرها يغلي، شيء يؤلمها، يحزنها، ومرت فترة طويلة، لم أمر على الحي، انشغلت بظروف الدراسة، وأصبحت والدتي تمنعني من الخروج بعد المدرسة..

وذات مساء، مررت مع زملائي إلى منزل صديق حتى نذاكر دروسنا معه، وكانت المصادفة من نصيبي. كان منزله هناك بجوار منزل صاحب البقالة، واقتربت من المنزل، كان الهدوء يخيم عليه، ونفس الستارة الباهتة المنقطة بالألوان البنية، واستعدت ذكرياتي، بدت وكأنها تحدث أمامي، رأيتها ترقص بفرح، ولكن لالا يبدو إنني أحلم لاشيء، لاشيء سوى الظلام المخيم على المنزل، يبدو مهجورا منذ مدة طويلة، حتى البقالة، وسألت صديقي عنهما، فأخبرني بأن ابنته فاجأها مرض عضال، ولم يستطع علاجها.

رغم انه صرف كل أمواله، فماتت ولم تحتمل مرضها، وظل مدة يبكي عليها، ويتصرف كالمجنون ويركض في الشوارع يبكيها، فلم يكن لديه أحد سواها، وتأثرت للغاية بها، ولم أستطع الليلة النوم، كل ما شعرت به، جسدها النحيل، عيناها الجاحظتان، شكلها الحزين، وهي ترقص على أنغام الموسيقى الكلاسيكية القديمة، وفي عينيها نظرة فرح..

 

 

 
 

 

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية