|
ربّما يكون من مصائبّ الأقدار أن ترىَ نُخباً ثقافية
تزاولُ نشاطاً في الشارع تكتسب مِنه قوتّ يومها وما
يؤمنُ دخلاً يستّر ما دسته البلاد من جوعٍ في نطاقنا ,
يعاني الأديبُ كثيراً لكن العظماء يفضلون كتمان
معاناتهم دائماً , بدرجةٍ أو بأخرى يمكن أن تتعايش مع
هذا الوضع نسبياً , لكنك تصِل إلى حالةَ رفضٍ تجتاحك
من أول حرفٍ كتبته حتى أخر قصيدة أو / قصة / , عندما
تشعر أن الجمع لا يلتفُ إليك تُقرر حينها أن تصرخ في
الناس لله لاتقتلوا رغبتنا في الحياة .
يكون ذلك مشهداً لابأس به لأنا معشر اليمانّيين نجاهر
بأن هذا ما ألفينا عليه أجدادُنا من قبل , ولم يكُ لنا
الحيلة لنصنع مجداً قرأنا عنه في كُتبنا المدرسية
وعشنا على وهم استعادته عمراً طويلا .
جماعة العراطِيطَ كما سماهم من قبل أحد "الأدباء
الكبار" في تعز , هم نتاج واقع ثقافي يحتكم بطريقةٍ أو
بأخرى لجملة من الصراعات المذهبية السياسية التي ما إن
تقترب من الثقافة حتى تتلوث كل رئات من يتنفسها ,
جُملة من مثقفي المدينة التي كانت ولازالت قادرة على
إنجاب المزيد من سادة الأدب وتحمِل في كل يومٍ بأديبٍ
جديد يرمم ماشوهت القبيلة من جمال هذه المدينة .
مايزيد على عشرينَ أديباً وشاعراً وقاصاً كان عليهم أن
يحملوا لواء الثقافة في هذه المدينة حتى لاتذبل أخر
وردةٍ زرعها عمالقةٍ جاءوا قبلنا ورووها بالدم , فكانت
جماعة " العراطِيط الأدبية " هي التسمية التي أصطلح
عليها لتعكس بعض ماوصلت إليه الثقافة في هذه المدينة ,
ولكي تكشف سوءات من جعلوا من مؤسساتنا الثقافية دياراً
لايسكنها سوى الأشباح و لاتزين جدرانها سوى خيوط
العناكب , كان لابد من جماعة العراطِيط , لكي لايكون
قياصرة الأحزاب هم وحدهم من يصنعون ثقافتنا كان لابد
أن نبتعد عنهم ونخرج إلى الشارع لكي نثبت لهم أن
الهواء هنا أكثر نقاءً , لكي نكفر بعجزهم وخوفهم من
الخروج إلى الشارع , لكي نريهم كيف أن البسطاء لازالوا
بحاجة إلى الشعر والثقافة والأدب أكثر من حاجتهم
لبيانات الشجب والتنديد , لكي لاتكون مؤسساتنا
الثقافية " الرسمية " هي من تملك حق تكريمنا أو حجب
دعمها كان لابد أن تكون هذه العراطِيط .
لله كم كان الموقف مُربكاً , مُتعباً , مُشوقاً ,
مُمتعاً , شيطانياً أقامته الملائكة , مشهد يُعيدُ إلى
ذاكرتنا كل الشعراء الصعاليك , منذ امرؤ القيس مروراً
بالشنفرى وتأبط شراً وصولاً إلى أبو نواس والفرزدق ,
لم نكن بحاجة إلى كراسي فارهة , ولا إلى ميكرفونات
تُزين أكاذيب الزعيم , ولا إلى قاعات تمنع الفقراء حتى
من النظر إليها , يكفينا بعضُ كراسي بسيطة جداً دعمتنا
بهم " جمعية مواجهة أضرار القات " وطاولة مهترئة كانت
كحال إتحادنا الأدبي , وقنينة ماء رخيصة جداً ,
الحماسة وحدها كانت تصّف الجميع في نقطة واحدة لتحثهم
على المواصلة .
ابتدأت الأمُسية بكلماتٍ أنيقة تحشرجت بها حُنجرة
الأديب فارع الشيباني جاءت بسيطة تحملُ طلقات اخترقت
جسد قياداتنا الثقافية والحزبية , ابتدأ مهرجان
الثقافة مع أول قامة صعدت المنصة " عبدالواحد السامعي
" بعده توالت القراءات ومع كل قراءة كان جميعنا يهمس
في نفسه المزيدُ من هذا المزيد .
قفوا صفاً أيها النبلاء و رددوا جميعاً أغنية مارسيل "
عندما يذهبُ الشهداء إلى النوم أصحوا , وأحرسهم من
هواة الرثّاء , وأقول لهم : تصبحون على وطن "
|