|
تأخذ المساحات السردية المتلونة
في أساليب الأداء الفني الروائي في رواية ( رهائن
الغيب ) لـ الروائي البحريني " أمين صالح " مساراً
سينمائياً تقنياً في تجليها البصري ، حيث تزاحم الصور
الجمالية والرؤى في مدلولاها الحسية والتي أنتجها
المخيلة والحس الإبداعي في اكتمال روائي ينتظم في
أيقونة تشكياية تعبيرية غاية في التكثيف والتخييل
والاتقان
رواية ( رهائن الغيب ) – والذين
هبطوا في صحن الدار بلا أجنحة
أشبه بـ دراما تحيل الوسيط
اللغوي ( الحكي ) إلى مشهد جمالي عبر تقنيات التقطيع
المونتاجي والوصف المشهدي بـ آلياته الداخلية ( الحوار
/ الزمن / المكان / الوصف / الحدث )
تتميز الرواية التي تتمركز حول
الشحصية المحورية " حميد " والمكان ( حي الفاضل 1963 )
بـ الطاقة الحكائية السردية
الممتدة وتشابك حكايات فردية متنوعة لـ أشخاص ينتمون
إلى عوالم مختلفة ( زكريا ، عزوز ابن الخباز ، كريم
الأعوج ، نبيل مفتاح ) الرفاق الجانحون نحو شيطنة
متأرجحة ما بين طفولة متأخرة ومراهقة مقبلة ومفاهيم
فلسفية يتشدق بها القومي " أحمد " كما يطلقون في الحي
وعنف ورعونة " سلطان " و " حمدان العامر " وارتباكه
المريب مع خادمته الطفلة " خلود " والتسلط الأبوي
المزعوم لـ آباء الرفاق المتمرغين بـ رعونة الصبا ونزق
العصيان
( آنذاك ، لم أكن أعلم ، لم يكن أحد
منا يعلم إلى أين ستمضي بنا الخطى ، كانت المصائر
رهائن الغيب ساخر يسوّر أعمارنا بالكمين تلو الكمين ،
ويقهقه بالرعد )
ينسج " أمين صالح " أجنحة الروّي في
منظومته الحكائية تلك على مغزل لغة متخمة بـ خيالاتها
تزاوج بين المعنى بـ أحداثه وأزمنته وأمكنته والشكل (
المعمار الفني ) التمرس خلف غابة من الجمال ، الديالوج
أو ( الحوارات ) متناسقة في أدائها ومتسقة مع المساحات
النفسية لـ الشخوص ، حمزة الأخ غير الشقيق لـ " حميد "
والذي يكبره بـ خمس سنوات شخصية ذات سيكولوجية خاصة ،
تمزج بين العنف والعشق بين الوداعة والجسارة ، يختلق
عالمه الصاخب عبر مشاجرات مع أقرانه وعينه على شباك "
عفاف " رمز العشق المتواري خلف الخفر والخجل
صنع " أمين صالح " شخصياته وحاك
تفاصيلها النفسية عبر المونولوج الداخلي الذي يكشف
بواطن النفس وانصهاراتها ، المكان يتسع ويمتد بـ
امتداد حي الفاضل ذو الطرق الأفعوانية الضيقة والساحات
الترابية والخرابة ووجوه معفرة بـ التراب وشظف العيش
الزمان يتمرجح ما بين صباح طري وظهيرة
دافئة وليلٌ بارد وفجرٌ يقطع سكينته مواء قطة أو عربدة
أبو مفتاح وضرباته الموجعة لـ زوجته
" مفتاح " أكثر الشخصيات تراجيدية الذي
ينوء بـ حمل إهانات والده السكير لـ أمه الصابرة
الدامعة العين ، وينفجر غيظه وطفولته النازحة نحو
البلوغ الشقي بـ حرقة لـ البيت الذي طرد منه هو
ووالدته في ليلٍ دامس لـ تلتهتم النيران البيت ووالده
في ذات الوقت وينتهي الحال بـ " مفتاح " في مصح عقلي .
وتجيء حكاية " عزوز " في اكتشافه
لـ الشهوة الرابضة بين فخذيه وارتباكه النفسي وتوتره
ثم وصفه ( الطفولي ) لذلك الحدث الذي انتابه في الحمام
حكاية مهووسة بـ الفضول والمغامرة ، وتجرجر القارىء
لـيتتبع في تواتر الحكي والسرد مغامرة " عزوز " و "
حميد " في التلصص
على الجارة بـ جسدها الفاتن فلا يملك
إلا أن يبتسم ويصفق لـ الراوي في نحته العميق
والمحترف.
رواية ( رهائن الغيب والذين
هبطوا في صحن الدار بلا أجنحة ) صدرت عن المؤسسة
العربية للدراسات والنشر – بيروت 2004 في 266 صفحة
|