حزناً و جزعاً
على موتها أغني ..
***
وميض خاطف يلفني ، يحاصرني ،
يكاد يسقطني أرضاً . طيف لسماوات عظام يظللني ،
يخطفني بعيداً و جسدي يرتشف غيوم المكان . ضجيج
يعمر الصالة التي انحني في جذعها ، جلبة نساء
فاجرات تضرب جدران رأسي ، همهمة لفتيات يافعات في
انتظار الرقص على تهاويم الميت ..
في صباي كنت ساذجاً كما أنا
الآن ، لكنني اللحظة أشد من ذي قبل ، لم أدر كيف
أفعل في هذا الحصار ؟ فلم تكن الجلبة وحدها التي
تخنقني ، بل صوت أخواتي من حولي أيضاً ، و زوجتي
التي تجلس بقربي هنا ، ساعة كئيبة هذه التي تزورني
. اليوم بت مدركاً أنه عام الحزن و الجزع .
و على موتها أغني ..
في الصالة ازدادت حدة الهمس و
الصفير ، ازداد الفزع و الخوف . بدأ الصوت يأخذ
ارتفاعاً شاهقاً كأعمدة النور الباسقة . وقفت
النساء واحدة تلو الأخرى للرقص على جسدي الميت ، و
عبر شقوق الألم أنتصب تائهاً ، أبكي فزعاً على
موتها ، أصرخ علّني أتيه في ومضة وجهها الغجري .
أدندن ..
يوماً كنت صبياً ، و كانت هي
كذلك . كنت ساذجاً ، فجّاً و لم تكن مثلي أبداً ،
تبعتها فاختبأت فأدركت الفرصة ، بحثت عنها ، تهت
في دروب المخيم ، أزقته التي لا تعرف الاعتدال ، و
في ثنايا الكون الرابض بي وجدتها ، عثرت عليها ،
أهديتها خاتماً ورثته عن أبي ، ثم اختفيت و اختفت
..
و عدنا نبحث عن كلينا ، تهت في
دهاليزي ، و لم أهتد إليها ، جِلت دروب المنافي ،
مردوانات السجون ، مشرداً مطارداً كما أشقائها
الذين كانوا حلقة الوصل بيننا ، و حين عدت كانت قد
سافرت مع الضباب و اختفت .
شبق الموت يأرجحني ..
في صباي الساذج كان وميضها
يلفني ، يخطفني من بين فلول الأطفال ، نجري ،
ألطمها على خديها كما كان يفعل أبي بأمي ، أصرخ
بها كما كان يفعل بي إخوتي الكبار ، و تصبر ، ثم
تهرب و أنا أتوسل إليها بأن تعود ، أرجوها أن تمكث
معي على تلال الرمل الأصفر لكنها كأن لم تسمعني ،
و في الصباح تعود ، نلعب فيتكرر المشهد من جديد ..
و كانت قد تزوجت ..
هكذا دون أن أعرف ، دون أن
تخبرني ، و دون أن أصفعها كما كنا قبلاً .
وجدتها تسير مع رجل أنيق ،
شاربه كث غير مرتب ، كان يذكرني بأبي ، بأمي التي
كانت تكره الشارب الذي طلّقه أبي مئات المرات ، و
على شاربه كانت تنكفئ ، ضخم كما سرير الموت
خاصتهما ، رأيتها و قد كانت تحمل الرضيع بين كفيها
، يغني و يبكي ..
أغني و أبكي ..
رأيتها و لم ترني بداية الأمر
، لكنها عندما أدركتني ، تشممت عطر الماضي ، مساحة
البوح فسقطت أرضاً ، لحظتها لم أعرف كيف أفعل ؟
هربت ، نعم هربت أبحث عن مأوى ينجيني من هول
الكارثة التي طوحتني .. كيف لي أن أنساها بعد ذلك
؟ و نسيتها ثم عدت .
و على موتها أنتهي ..
عندما ولجت منزلي وجدتها
منكفئة على وجهها . ارتعدت فرائصي ، هوت بي الدهشة
، هل هي حقاً أم أنها ضرب من الخيال ؟ و لم أكن
اعرف أنها قد أغلقت قلبي بمفاتيحها الجميلة ، حلمت
بها ليلتها كما رأيتها لكنها كانت بغير ذلك الخاتم
، صعقت و لم أسألها عن مكانه .
استيقظت من نومي و كان الخاتم
في يدي ، أعطيته لمجنونة جديدة تجلس بجواري الآن ،
و في الصالة مع جلبة النساء سقط الخاتم أرضاً و
سقطت معه أحلامي القرمزية ..
أغني ..
كانوا قد جاءوا بها جثة متفحمة
ليلة أن فكرت بزيارتهم مع والديّ في المساء ، ولجت
الحارة الضيقة . كانت حدة القصف تروع السكان
جميعهم ، سرت تجاه الطريق الترابي الغائص بنفايات
المخيم ، و هناك كانت الجموع ترفرف حول أقبية
الثكنة ، سألنا و سألت عما جرى ، ثم فجأة سقطت في
موتي ، إغفاءتي التي طوحتني أرضاً ، كأنني لم أع
ما كانوا يقولون ، سقطت أرضاً و أنا أسمعهم ، كان
أحدهم يصرخ و قد غسل العرق جسده كحمامة طاهرة
تغتصب السماء : لقد تهاوت مع صاروخ غادر صفع شارع
المخيم بأكمله .. و انتهي مع الغبار .
****
ميت أنا
لكني على موتها سأظل أغنّي
و أغنّي
و أغنّي .