01/03/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

أفواه و عيون

تيماء القحطاني / الولايات المتحدة

 
 
 
 
 

هؤلاء الناس.. يخلقون لديك شعوراً سلبياً لا تجد له مبرر. يقرفك وقع أنفاسهم، إحساسك بجفاف كفوفهم و هي تفرك بعضها ـ بفعل الصدفة أوغيرها ـ لتتحول إلى قشعريرة يابسة تسري في أوصالك، مستوى ارتفاع أصواتهم و هو يحدث ضوضاء لعينة في داخلك، ضجة أجسادهم البطيئة حال مشيهم أو هبوطهم أو ارتفاعهم إلى جوارك، انزلاق أعينهم البليدة على هيئتك حد اشتعال الشك فيك، أو ربما تعليقاتهم الغبية، و التي تنجح في جعلك تتساءل "أهي غبية إلى هذا الحد أم ذكية إلى ذاك الحد" و التي تصدر كنوع من التأكيد على "وجودهم".

نعم، تحرص بعناية على جعل السطحية هي الجسر الوحيد بينك و بينهم، فتجد نفسك تقفل أي نقاش و أي باب للتعارف، تختصر أي ابتسامة، و تطوي اللقاء بشكل يمنحك فرصة تجنبه مرة أخرى. الكل يثير اشمئزازك، الكل يفشل في العبور إليك دون أن يكون سلبياً بكفين جافتين..

نعم أنت ممل، و لا يوجد الكثير مما قد يكسب اهتمامك العميق، أو حتى تساؤلك. لا يوجد ما يحرض على التواصل معك، هناك حاجز ما بينك و بين المحيطين تفضل في الغالب أن يكون "الغطرسة" بينما هو في الواقع هشاشة و قلة ثقة كما صارحك أحد المتطفلين و هو يأكل طعامك ذات يوم، و الذي لم تنسَ أن تمنحه كل شتيمة تذكرها قبل أن ترغمه على دفع ثمن كل لقمة تعدت باب فمه.

أنت ناجح و طيب لكنك لستَ اجتماعياً بالفطرة: هذا ما تريد أن يقتنع به الرجل الذي يضع اسمه و نصف تاريخه في يد كل عابر من أمام دكانه، أو حتى السيدة التي تقف في زاوية بعيدة تترجم نظراتك إليها على أنها غزل رفيع في طريقه إليها ـ كما توحي تسريحة شعرك المدهون برفق ما يكفي ليبرق و ثيابك الرخيصة المكوية ـ أو إعجاب خجول على أقل تقدير....لكنك تعبر دون أن يكمل الرجل سيرته و دون أن تكمل الفتاة وضع "الروج" كلياً، بعد أن تترك النقود بهدوء على المنضدة و كأنك تعمدت وضعها مرتبة، بينما يدك الندية تقبض على مجلة مطوية تحمل أخبار النجوم، و أخرى مطوية داخلها تحمل أخبار الحوادث.... لا تعرف سبباً لالتقاء الضدين في يدك فلم تدرك يوماً أنهما ضدان في الأصل. تلعن أب طفلٍ يشخذ في وجهك يريد سلب أي شفقة ممكنة منك، تحاول تجنبه ببرود فيرغمك على دفعه بعنف. تتعجب من ابتسامة فتاة تجمدت على ورق الإعلان، و فتى هزيل عابث يقبلها متحدياً إياها أن تعترض، ثم ينفجر ضاحكاً في أصدقائه المأخوذين بجرأته، بينما قطط يمضغها الجوع على حافة برميل قمامة، تموء، يزعجها ضجر المارة و لهيب الشمس، تقفز ناحيتك، تدور حول ساقك....تركلها ببساطة.

العالم من حولك صغير و رمادي في الغالب أو أحمر، تخنقه الأتربة المتصاعدة كفتات ضجر و كلل مضغوط انفجر أخيراً في جهتك، وسائل المواصلات ضيقة و أنت لا تسعك الأمكنة . لا تسعك الكتب النادرة التي لا يقرأها أحد سواك، لا تجد نفسك في التاريخ، ولا في نتائج أخر الأبحاث العلمية، و لا في أخبار عارضة أو طارئة و لا حتى في فلسفة عابثة. لو أنك كنت في قلب الحدث ـ أي حدث ـ لكانت سعادتك ممكنة، لو أنك في العراق مثلاً، لو كانت لك مأساة قوية تستدعي تحويل أنظار العالم إليك لردمت كل هذا الفراغ الذي يبتلعك و لشغلت القلق الذي لا مبرر له بمأساتك تلك. لو أن لك حبيبة ليس لها أخ مفتول العضلات، تقلب سيرتك بين عوانس لم يسمعن حديثاُ عاطفياً من قبل، فمثلاً، قد تكتب رواية أو تتحول في ليلة إلى شاعر قليل الشهرة. لكنك الآن لست منشغلاً لا بالسيدة ولا بالرجل الطيب، ولا بالفتى أو الشحاذ الصغير ولا بكل هذا المحيط... مالذي تريده، ألا تعرف؟

حسناً، عندما تصل البيت ـ الذي تملكه بالكاد أو هكذا يجب أن يبدو الوضع ـ ستحلق ذقنك رغم أن لا ذقن ولا شارب لك ـ عقدة تحفر في نفسك منذ عقود ـ لكنك ستحلقه كي ينمو كما تؤكد الشائعة. هل كانت عقدتك الأولى أنك قاسٍ و أملس؟ أم هاديءٌ و منفعل؟ أم حساس و متحجر؟ أم وحيد و مختلف؟

تكسر المرآة. المرآة التي لا تفعل شيئاً في هذه الدنيا إلا تصويرك كما أنت. ستشتري واحدة أخرى بعد أن تتأكد أنها تهشمت تماماً و لم يعد فيها ما يكفي لتحشر نصف وجهك، ستشتري غيرها شرط أن تكون طويلة ما يكفي لتستوعب قامتك كاملة لتعرف كيف تبدو قبل أن تخرج كل صباح دون جهة، خالياً من القصد، رغم عدم اكتراثك للناس إلا أن رأيهم فيك يهمك جداً، هكذا أدركت بعد أن سألك أحدهم "إن لم يعنك رأيي فلم تسكن الأرض و المريخ مهجور!" في النهاية يجب أن ترضي و لو جزءاً من تلك الأعين و الأفواه المفتوحة نحوك

 
 
 

 

 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية