|
تستيقظ
(ماتت!) صباحاً
تتذكّر أنّ
عليها ألا تموت .. الليلة!
لازال لديها بعض الحيل لمحايلته
..
منها
:
-الحيلة
الأولى : تتكاسل في الفراش صباحاً .. رغم إنها استيقظت
باكرا -على غير العادة- ربما لأنها لم تنم ..لكنها
تظاهرت بالنوم ..وعادت تكمل
سيناريوهات لأحلام زارتها في ليالي سابقة (ليست الليلة
الماضية بالتأكيد) .. تتذكّر
الموت المتربّص بها هذا اليوم .. يمرّها كخاطر سريع ..
لكنها تتجاهله .. تعاود
أحلامها من جديد .. يصلها صوت والدتها الحنون من وراء
الباب : "قومي يا بنتي اليوم
راح" ، تتمنى حقا لو أنه "راااااح" .. هذا مقصدها من
بقاءها كل هذه المدّة على
السرير .. تنهض.. لاحظت أنها نهضت كما كلّ مرّة ، دون
مشقّة.. تقول في نفسها
: "الحمدلله
، الأمور تبشّر بالخير،اللهمّ ثبّـــــــــّتني
!" .
-
الحيلة الثانية : تقرّر أن تكمل روتينها العادي ..
ككلّ يوم .. تزرع نفسها في
الشبكة العنكبوتيّة .. تحاول إلا تتذكّر.. تحاول ألاّ
تموت .. تحاول أن تنسى
..
تتابع بعض المنتديات .. تتذكّر الأمر كـ طارئ ثم تنفض
رأسها وتعاود التصفّح
..
تحاول أن ترتكب بعض الردود .. تحاول أن تكون هي !تجاهد
نفسها وتعبها من أجل ذلك
..
قيل لها من خلف أحد التعقيبات : "ليست روحك!" .. هل
كانت شفّافة لهذا القدر ؟!
..
حاولت أن تعتزل الردود لهذا اليوم .. فتحت نافذة
المسنجر .. صافحتها صديقتها
الشقيّة بـ: ابتسامة و وردة.. بادلتها بالمثل .. ثم
اختلقت معها حواراً تلتهي به
..
حكت لها عن كتاب قرأته والقصّة التي أعجبتها .. بدأت
تتوغّل في أبعاد الكاتب
والقصّة .. خُيّل لها أنّها تلهث وتلهث وتلهث ! .. غير
أن صديقتها استوقفتها فجأة
:
-".لحظة!..
مابك؟"
-
لماذا السؤال؟!
-
هنالك أمر ما يقلقك،،إليس
كذلك؟!
-
أنا فقط مختنقة! أرغب أن أغرق عميقاً في البكاء
..
-مالأمر؟!
-
حزينة .. وحزني إبن لقيط .. لا أستطيع أن أُظهره
للآخرين ..لكنّي أظلّ أحتضنه
..وأُلصقه
بي أكثر!
ثم استأذنت سريعا وغادرت .. عندما همّت بتسجيل الخروج
..
وجدت الإسم الذي أبدلته البارحة : (ماتت!)
لامت نفسها على فشلها في التحايل هذه
المرّة
!
-
الحيلة الثالثة: تخرج إلى السوق .. لاتحتاج إلى شئ
بالتحديد .. لكنها تذكّرت المناسبة المدعوّة إليها آخر
الأسبوع .. لاضير في إضافة
قطعة أو قطعتين إلى دولاب ملابسها .. تنهرها أمّها : "
لديك الكثير ، فلمَ المزيد؟"
..
هي تعرف ذلك .. تحاول أن تشرح لأمّها أن هذا ضريبة
الحزن لدى النساء .. المرأة
تقتني شيئاً-أي شئ- بعد كل فراق.. كأنها تعوّض ما
افتقدته بامتلاك مالا تحتاجه
..
تجوّلت كثيرا في السوق .. جذبتها الرائحة الشهيّة إلى
أحد الزوايا حيث طاولات
ومقاعد مختصرة و حيث يتواجد "هرفي" .. تطلب وجبتين ..
عندما تستلم الطلب تتذكّر
انها ليست جائعة .. لكن إصرارها كبير في الحصول على
مالا تحتاجه طالما تعذّر عليها
الحصول على ماتحتاجه!.. لم تندم .. تذكّرت أنها لم
تأكل شيئاً منذ استيقظت
..
التهمت "التشيز تشيكن" الذي تحبّه برتابة .. قالت
لأخيها : "ليس لذيذا هذه المرّة"
..
نظر إليها بتعجّب ! :"ربما الخلل في حاسة الذوق لديكِ
هذه المرّة!!" .. تتساءل
في نفسها : "مالذي أفقد الاشياء -كلّ الأشياء- نكهتها
،، هذا اليوم!"
!!..
عندما
عادت من السوق شعرت بتحسّن طفيف .. الوقت مرّ .. ليس
سريعاً مر.. يؤذّن لصلاة
المغرب .. لازال لدينا ليل طويييل
..........
"وكم
أنت طويل يا ليل
الصيف!".
-
الحيلة الرابعة: تستلقي .. تتصفّح مجلات متناثرة
التقطتها من على "الكوميدينو" وأسفل السرير.. لاشأن
لها بأخبار الفنّانين .. ملّت
أحوال الشعراء وعوالمهم ..فكّرت أن تقرأ كتاباً أي
كتاب من تلك الكتب التي أرهقت
رفوف المكتبة أمامها .. لكنّها ليست في مزاج صالح
للقراءة الممتعة .. يهمّها أن
تستمتع حين تقرأ وإلا فأنها سترمي الكتاب غير آبهة
بإرادتها التي تذكّرها دوما
: "حين
تبدأي في قراءة كتاباً ، قرّري أن تنهيه اوّلاً" ..
تناولت صحيفة .. بدأت في
تصفّح العناوين .. خلال تصفّحها طرأت عليها أُغنية ..
بدأت تغنّي "سلّم لي عليه ،
وئوللو إني بسلّم عليه" .. تماهت مع الأغنية .. لم
تشعر بنفسها إلاّ حينما انتبهت
لنظرات أختها المتفرّسة والمتعجّبة بجانبها .. أنتبهت
فجأة إلى أن صوت الغناء
المسترسل تحوّل إلى صوت بكاء متهدّج .. سكتت .. تظاهرت
بالاستغراق في قراءة الجريدة
أمامها .. عيناها غير المستقرتان تبحثان عن شئ ما ..
عبرت إلى أعلى الصحيفة .. لمحت
اليوم/ التاريخ .. تذكّرت ! ورمت الجريدة
..!
*
فشل ذريع هذه
المرّة/الحيلة!
-
الحيلة الخامسة : بدأت منذ أسبوع برنامج المشي
لمدة ساعة كل يوم .. قرّرت أن تستمرّ .. لن يوقفها هذا
الموت .. تأهبت للخروج إلى
فناء المنزل .. انتعلت حذاءها الرياضي.. وضعت السماعات
في أذنيها .. وبدأت تمشي
..
ببطء أوّلا .. استعجلت .. تذكّرت نصائح كانت قد قرأتها
عن رياضة المشي " لابد من
السير بخطوة سريعة لزيادة ضربات القلب إلى المعدل
المطلوب فالمشي البطيء لا يؤدي
الغرض المنشود " .. تستعجل في السير.. لكنها تتذكّر ..
تغيب مع الذكرى.. تأخذها عن
عالمها وعن خطواتها وعن خططها .. تتباطأ شيئاً فشيئاً
.. تساير معدّل الذكرى الرتيب
..
ثم عندما تلاحظ تباطؤها .. تعود إلى الخطوات السريعة
.. لكن هذه الانقطاع
المتكرر لا يسمح بتزايد ضربات القلب .. إذن لافائدة من
المشي الهباء.!
عادت إلى
الداخل!
-
الحيلة السادسة : تقرّر أن تعمل هذه المرّة بجدّية على
كتابها .. أجّلت العمل به منذ فترة طويلة .. كانت دوما
تتباطأ في الإعداد له
..
لعلّها كانت تنتظر وقتاً كهذا .. لتُشغل فيه جرحها ..
وهاهو الوقت قد أتى .. هطلت
عليها طاقة عجيبة .. في ساعة واحدة راجعته مراجعة
أخيرة .. قامت ببعض التعديلات
البسيطة ثم تفاهمت مع "مصحح لغوي" تكلّف بمراجعة
وتنقيح نصوصها.. وعدها بالانتهاء
منه في مدّة اقصاها يومين .. ثم قريباً جدا سيكون في
وزارة الإعلام لينال حكم
"الفسح"
.. هكذا وجدت نفسها امرأة مهزومة تلتفت أخيراً
لنجاحاتها الصغيرة
!
-
الحيلة السابعة: هذا هو الوقت المناسب للانزواء إلى
روحها
..
لارفيق أجمل من مذياع يختار لها ما يمكن أن تستمع إليه
من موسيقى وأغنيات لاتعنيها
بشكل خاص .. فكّرت في أوّل الأمر أن تختار الأغنيات
التي تريد سماعها بنفسها
..
هناك العديد من الأغنيات التي تحبّها .. لكنها لاتودّ
ذلك.. كل أغنيه تذكّرها بحدث
..
بقصة .. بعاطفة ..بحكاية .. لهذا عهدت بأذنها إلى
المذياع
"fm" ..
مهندس
الكنترول يبدو حزيناً هذه الليلة.. اختياره للأغنيات
يشي بذلك! .. كل أغنية أصبحت
تحفر عميقا في جوفها .. كل أغنية أصبحت تجيد فعل
"الذبح" من الوريد إلى
الوريد!
تمتمت : "حتى الأغنيات لها طعم الموت ،، اليوم"!
-
الحيلة الثامنة : فكّرت أن تلتجئ للكتابة .. أحد
الأسباب التي تدفع أيّ منا للكتابة
هي "محايلة الموت" .. لهذا هي هنا .. لهذا بدأت تكتب
.. وبهذا
انتهت. |