فائض النار
لا زمن ينبش
جراحي الآن،
فلا جرح لي ولا زمن هناك،
ولا عزاء.
* * *
قد كنت أنتظر الحوذي الأبكم كل
ليلة،
كي يجر العتمة خلف المحيطات
فأشعل شمسا على المدينة
وأحل مرتاج الغيمة،
فتحلق بهدأة،
وأصلي كي لا تمرّ سريعا فوق
السهوب الجرداء
ثم أعاينها بلهفة كي تمطر،
فتمطر.
* * *
كنت أبعث بنظرتي الى القرى
البعيدة
وأعد القهوة لزوار لن يأتوا.
كنت أدرب الريح عند المواسم،
فأنهرها حين تشتد
وحين لا تشتد أنهرها
كانت السفن بلا حطام
وكنت وحيدا على المرافئ
أغزل غربتي على البلور،
وأرى الجنة تبزغ كالغواية،
فأستنير.
* * *
كنت أدعك الخرافة بماءِ الحجرِ،
وأعلق النياشين على كتفيها
ثم ألكزها بشغفي فتصير في الزمن.
كنت أمد كل ألم بصرخة
وكل صرخة بشراعٍ
كنت أجر لكل صخرة نائية جبلا
ولكل وردة وحيدة حقلا من
الأزهار
كنت أخبئ المسرة عند الأذى
وأحيك للغيمة مخدة من ريح
* * *
كنت أسمع البرق،
وأرى الرعد بأعيني
غسلت ماء الحياة برغبتي
ومزجت ناري بنوري واستويت.
* * *
كنت أنتظر عودة الحوذي مجددا،
فأطلق الأقمار تباعا في المساء
وأزاول مهنتي منتظما كالعادة،
فأقلّد المدارات في موعدها
وفي الموعد،
أرشد الضوء إلى النجمة،
وأزفّ النجمة إلى البئر
وأستمد عافيتي من البريق.
* * *
كنت أعزف الناي المكسو بلحنه
الأبيض
فتتبعني الفصول الضالّة في
البراري،
وأصرّفها على الجهات كما
أشتهي.
كنت أقاسم العتمة خبزي
المطحون
وأسامر الأحلام العابرة كالنمل
وأمنّيها بقصب الأحراش المعتّق.
* * *
كنت أسرد الحكايا للسموءل وابن
آوى
وأنتظر المشيئة كي تستقر،
فأرى وجهي الطاعن في
السراب،
كخيال شاحب في المدى.
* * *
كنت شفافا كاللا شيء
وصبوراً كحطابٍ ينتظر ميلاد
غابةٍ
كنت خفيفا كريشة في الريح
ووحيدا كتفاحة ضامرة على
رصيف،
أدجن الأسئلة الجامحة في
طريقي،
ثم أعض على الروح بأنيابي
وأمضي.
* * *
كنت أعقل جواميس النوايا في
المخيلة
وأصب زيتا على قلقي وأشعله،
ثم أوصد الباب.
لففت أحشاء الحياة بأضلعي
ومزجت بعضا منها ببعضي،
وكلا منها بكلي وما نمِرتُ.
* * *
كنت محباً يانعاً بلا فؤوس ولا
نواجذ ولا عظام
كنت طريّاً كطحلب
وقريرا كقاع أخيرة.
كنت بائساً كشمعة مطفأة؛
بلا معجزة كنت وبلا أحجية
بلا سراب أو صدى
بلا أمل كنت،
ولا وسادة أو ضريح.
* * *
كنت ألمّع أحذية السراب بدمعة
وبدمعة كنت أمسح دمعتي.
كنت أحاول إقناع الظل بجدواي
وإقناع جدواي بالظل،
ولا أستجير.
* * *
كنت أفعل كل ذلك،
ولم تكن الأوطان تلتفت،
أو حتى تومئ من بعيد.
كنت أفعل كل ذلك،
وكانت المدن تستحيل سراديب،
وفي كل سرداب خبيئة
ولكل خبيئة أفعى.
* * *
كنت أفعل كل ذلك،
وكانت مودتي جبلاً،
فنهشتني الذئاب والكلاب
وطاردني الذباب،
وبصقوا فتاتي في الهواء بلا
كفن.
كنت أفعل كل ذلك،
وكانت الخناجر تلمع في خاصرتي وفي روحي،
ولزمت صبري،
إلا أن روحي المنهكة ذوت
كشمعة سادرة في كون مطفئ
والأوطان استمرأت ذوبانها
ولم تلتفت.
* * *
كنت كل ذلك، حتى سئمت وألفت
كل شيء:
الخرائب الممتدة إلى قلبي
وبقعة الدم في رئتي
ألفت الأبواب المهشمة
والنظرات على عتباتها
ألفت الأحصنة المجمدة في
الأقباء
وقلاع الريح المسجية في العراء
ألفت السماء بلا نجمة ولا غيمة،
بلا شموس ولا أقمار
ألفت فتات القرى في فناجين
القهوة،
والريح وهي تنهرني
ألفت الأحلام المجففة في الشمس
ووخز الأسئلة الضارية في
الرأس.
* * *
ألفت القبعات بلا باعة،
وأساور الذهب مترمدة في
جارور الحكاية.
ألفت حتى حتفي،
إلى أن رأيتني مسجيا
ومعي أوطان كثيرة مسجية،
لا ألفة فيها إليَّ،
ولا ألفة فيّ إليها.
* * *
أما الآن؛
فلا وطن يجثم على روحي
ولا خرافة حب بائس
لا قبلة عالقة على شفاهي
ولا ابتسامة في جيبي العلوي
لا عدو أرفع له راية بيضاء
ولا صديق أتوجس مكائده
لا حيرة تسبق الاختيارات،
ولا ندم يعقبها.
* * *
لا لصوص يصفق لهم في
القاعات
ولا آخرون يتكئون على الشرفِ
خلف الشاشات
لا مرتشين يلمعون خلف
النياشين
ولا أحاديث موشومة على الألسن
لا دسائس أو قرابين
لا بهجة تصاحب الامتثال
ولا مجامر معدة لقلي الألسنة
لا رغيفاً محمر بالدم
ولا بطوناً بأقدام.
لا قلقاً يذرع الطرقات
ولا طرقاً مرصوفة بقتلى
المرابين
* * *
لا غباراً يترصد الهواء العابر إلى
الأنفاس
ولا جبالا تنهار في قرى مهملة.
لا قبورا فخمة بحراس
ولا أخرى للثعالب والجرذان
لا دورا مضاءة بالياقوت
ولا أخرى بالنيازك
لا أقبية مترفة بالنبيذ
ولا أخرى مترعة بالخواء
لا ألسنة بائرة من كيل المديح
ولا قاطع طريق أعمى.
* * *
الآنَ؛
وقد عزَفتُ كل قيثارةٍ،
وشددتُ على كل وترٍ
ونثرت كل محبة حتى نضبت
تراءى لي أني امتلأت بنوريَ
واستوت ناري،
فحشدت موسيقاي وأعشاب
سكينتي
وشجت روحي برملي،
وأطلقت طائري،
وتواريت
وتوارى معي كل ما كان ذات مرة
مني
ولم يعد هناك لا حياة،
ولا موت
ولا شيء.
* من مجموعة شعرية تصدر قريباً بعنوان
“
أبعد من عدم
”
***
ثمة فكرة
كقمر الأرواح
الآفلة،
وضوء العيون المسال على
رسائل الأحبة،
شددتها إلي.
وضأتُها بماء الورد،
ووضعتُها في منتصف الوله.
ودون نية للقتل،
استدرجتها كلص يذيب الأفيون
في كأس،
ويقدمه، مع حليب الليل، لآخر
ثري في الوجود.
* * *
حذرا كنت، وسخياً
أقدم الألفةَ بخشيشاً،
والمجرة وطن.
* * *
لكنها،
وكمن بنى مدينة على رأس
إبرة،
استلقت مسجية بلا نوافذ.
وبومضة،
تلاشت كحلم فاتر،
أو دمعة تدحرجت على حافة نهر،
تاركةً فتات ضوئها،
وفراغاً ناتئاً في الرأس.
رحلت،
ككوكب احتشدنا طويلا لرؤيته
لكنه،
في آخر لحظة،
علق قميص الضوء في الخزانة
ثم تمدد في المحراب،
ونام.
***
الأصدقاء
أخفاء جلسوا،
كشموع تطفو على نهر قديسين
أشعلوا لفافة أرواحهم،
وأفرغوا رماد قلوبهم في المنفضة.
حلقوا بعيدا،
عند حدود الريح،
وحقل القمح الوحيد.
هناك،
نثروا قرنفل البهجة،
وشِعرَهم،
فتقاسم الغرماء القبلةَ.
* * *
ولمّا تذكروا أوطانهم، ورجعوا،
لا جنة استأنستهم ولا مأوى.
تجمدت قلاعهم في خاصرة المدى
وجزّت الريح أعناقهم.
نسيت الوديان حجارتها وجرفت أرواحهم.
نعوشهم السوداء - حصاد
الحقول،
تطايرت كأوراق في الخريف
وتبددت كقطرة زيت في مقلاة.
* * *
رحلوا،
وعندما بقيت وحدي،
غربلت رماد المنفضة،
أفتش عن نبضهم.
***
وردة الأناة |
|
|
لِما كلما ينعت أطرافهم ركضوا،
وكلما ركضوا،
تغيرت أسمائهم،
وتبعثرت، في مسام الريح،
صفاتهم؟!
لِما كلما اشتعلت شمعة،
رجموا الظلام؟
ولما انطفأت،
أحرقوا حطب العمر كله
وأضحت السنين خرقة بالية في ضريح؟!
تريثوا قليلا أيها الأحبة،
خذوا أنفاسكم كاملة،
ودعوا الأناة تستوي كوردة الأيام
تريثوا،
فلا القفز من الفجوة يجدي،
ولا دحرجة الوهم على الهضاب.
فخنجر الزمن العتيد،
منذ الأزل يلمع في الرقاب
وخيوط الأمل الرهيفة،
شُدّت طويلا على المبرد،
ولم تنقطع.
لندع الأشياء تنساب علينا،
كسماء لدنة على صخرة.
لتنقلب الأشياء على بعضها،
فتنفخ الأشرعة الريح
ويسافر البحر تحت المركب.
ليصطدم الجبل بالغيمة
أو
تتسلق المنحدرات المياه.
ليسرِ الجسد في الرعشة
وتبصر الأشياء الأعين من حولها.
لتطفئ النار الماء
ويلوذ الجُحر بالخلد.
ليسقط الخريف في الأوراق
وتعصف الأشجار في الريح.
لتقتاد العربة الخيل
ولينزوِ البريد في الرسالة.
ليطلع النهار في الشمس
ويسقط الفضاء في النيازك.
لتتلعثم اللغة،
ويصبح البرد قارسا – هكذا- "القرس باردا".
لـ
لا نفعل شيئا سوى اللاشيء
لنقرمش الأحلام بأعيننا
ونتثاءب كملائكة بلا عمل
لنتمرغ في الضحك على الضفاف البعيدة
ونجعل نظراتنا تدلّك جبهة الحب
فما يضير لو حدث ذلك،
ولدينا ما يكفي من الوقت،
للموت!
|
|
|
|
صحيفة الخليج
_ الملحق الثقافي |
|
|