15/02/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

الشيخ والإعدام

قصيدة للشاعرة : عائشة الخواجا الرازم

aisharazem@msn.com                         

 
 
 

يقولُ الشَّيْخُ يَجْمُدُ في حَشاهُ الدَّمُّ ..

حينَ تهاوتِ اللَّطَماتُ .. فَوْقَ الوجْه ..

وانتَشَرَتْ تجاعيدُ السنينَ السُّود : ـ

يا وَلَديْ .. !

أراكَ مُصمِّماً والسَّوطُ ترفعه .... !

على ظَهري .. وكفُّكَ في صُنوفِ اللَّطْم ..!

قَدْ حَطَّت على خَدِّي ..!

فَواخَجَلي .. من الفتيانِ .. من جيلٍ تَلا جيلاً ..

يُريعونَ الشيوخَ البيضَ

يا ألَمي .. ويا كَمَدي ..!

يُحرِّقُ في الحَشا كَبدِي ..

* * * * *

فآهٍ لوْ تجلَّى العُمْرُ ..!

يا شيخاً نباهُ الدَّهرُ..

مُنْذُ اللَّيلَةِ الأولى لِميلادهِ ..

وأمْضى عُمْرَهُ يُهْتَزُّ بينَ

العامِ والأعْوامِ مُنْتَشِياً بأوْلادهِ..!

ومُنْتَظراً لِقاحَ الوَعْدِ..

من يَوْم اليفاعةِ فيهْ ..!!

مُنْشَرِحاً رَحيبَ الصَّدرِ

رُغْمَ الوَحدةِ الحَيْرى..

ومُفْتَخِراً بأحْفادهِ..

وَمُحْتَضِناً فَخارَ الدَّهْرِ ..

مُرتْفعاً عليَّ الرَّأسِ ..

مُخْتالاً بأجْداده ..

* * * * *

ألاَ تَدْري بأنَّ الماردَ الصَّامِتْ..؟؟

يمزَّقُ من شِراعِ .. المرْكبِ المهتزِّ

خَلْخَلَ قلبَهُ الهَيَجانُ ..؟.؟

أسنْدَ ظَهْرَهُ في الضِّيقِ ..

كيْ يَرْتاحَ

واجَهَ ظَهْرُهُ الوَخَزاتِ ..

ما أقْسى سُمومَ الوخْزِ

ألفى الظَّهْرَ .. مُسْتَنِداً بوسْطِ اللُّجَّةِ .. العَمْياءِ ..!

مُرتَكِزاً على صَخْرٍ من المرْجانْ..؟؟

فَمَنْ للمُتْعَب المسكين ..

 يَسْندهُ مِنَ الأتعابْ ؟؟

يَرْأفُ في جَفافِ الحَلْقِ ..

يَأتيهِ بِكأسِ شَرابْ ..؟؟

وَيَعْطِفُ بالعيونِ الحُمْرِ ..

أيْقَظَها ضَنَى الأحزانْ ..؟؟

أبقاها تُساهِرُ في ظلامِ اللَّيلِ ..

وَحْشَ مَكانْ ..؟

فَوْقَ وِسادةٍ كالجَمْرِ ..

قاسيةٍ .. وحارقةٍ ..

يبلِّلُها ندَى البُركانْ ..؟؟؟؟

* * * * *

وإيهٍ يا عيونَ الشَّيْخِ ..

هَلْ جفَّ المِدادُ .. وهانْ ؟؟

فلا تَجْلسْ .. ولا تَركُضْ ..

ولا تَتَمثَّلِ الجِلْساتِ وسْطَ البَحرِ .. لا تُقْدمْ !!

فجِلْسَةُ ظهْرِكَ المعْقوفِ ..

يَمْخُرُها تواهُ اليَمِّ ..

 

* * * * *

لا تَحْزَنْ ..! ولا تألمْ ..!

ولا تَطْمَعْ .. بأن تَحْلُمْ ..

ولا تُلْقِ الشِّباكَ .. الوهْنَ ..

كي تَصْطادَ في البَحْرِ

الذَّي أغناهُ لونُ الوَحْلِ ..

يُخْفي في ثَنَايا المَوْجِ ..

مُتَّسخاً بُجْرمِ المحْلِ ..

حُوتاً جائعاً يَحْويكْ ..

يلقَفُكَ الضَّنى .. الأفواهُ فاغِرةٌ ..

وَتزدادُ " البلاوي " فيكْ ..

يَبْتَلعُ السنينَ البيضَ .. من جَنْبيْك ..

يَمْحو بالرَّدى ماضيكْ ..

* * * * *

ألا تَدْري بأن المارِدَ الجامدْ ؟؟

له نبضٌ ودَمٌّ حامِضٌ .. فاسِدْ ؟؟

وصدرٌ كَمْ سَقاهُ الدَّمَّ ..

من شَرْيانِ أحْفادِكْ .؟؟

وأطفأ من شُموعِ الرُّوحِ ..

مُبْتَهِلاً لأنْدادِكْ ؟؟.

ألا تدْري بأنَّ الواقفَ

المحتد للشكْوى ..؟؟..

يقاضي همْسةَ العصفورِ

حينَ الفجْرُ يلفُظُها

وحين الفجْرُ يحْضُنُها ..؟؟؟؟

يحاول كَتْمَ أنفاسِ الهوى مَعَها ..؟؟

يحوِّلُها .. يُقَوْلِبُها .. كَمَا يَهْوى ..

كما سَتَروقُ حينَ .. يحضِّرُ التقْريرَ

يُلْبِسُها لناطِرِها ..!

إطاراً .. غامِضاً .. أحْمَرْ ..؟؟

كَلَوْنِ الدَّمِّ .. لَوْنِ الجُرْمِ ..

قانٍ ... رُبَّما أخْطَرْ ..

فلا تَهْمسْ .. ولا تَعْبِسْ ..

فما للمْتْعَبِ المسْكِينِ أن يَعْبس ..

ولا يرتاحَ .. لا يَجِلْسْ ..

يَهيجُ الطُهْرُ في قَلْبِكْ ..

وقلبُكِ دائماً أكْبَرْ ..

وَقَلْبُكَ دائماً أكْبَرْ ..

* * * * *

فيا شَيْخَ احتِكامِ الحِكْمَةِ .. العَصْماءِ

لا تَهْمِسْ ..!!..

فقولُكَ باهتٌ ناقِصْ ..

وقولُ الماردِ المأفونِ .. لَحْنٌ ناطقٌ .. راقِصْ ..

يُباهي الشَّيخَ بالصَّخَبِ الذي غَنَّى ..

يصافحُ صَخْرةَ الزِّنْزانةِ ..العفنة ..

يقاضي جَبْهةَ الحَسُّونِ .. والبُلبُلْ ..

يقاضي زَقْزَقاتِ الصبحِ ..

يَشْحَنُها مع الإزْعاجِ

في زنزانةِ المنْسيِّ .. والمُهْمَلْ ..

وَيحْشُرُها مَعَ الأفْواجِ ..

غاصُوا في عُقوقِ الدَّهْرِ .. والإنسانِ ..

كان الحُمْقُ .. مثْلَ الفَتْكِ

في أنْظارِهمْ أجْمَلْ ..

* * * * *

وَلنْ تَدْري بُحلوِ الفَجْرِ ..

تَبْقَى تَنْطَوي بَالسِّرِّ ..

تَذْوي في خفايا السِّجْنِ ..

تهْوي من شُموخِ .. العُمْرِ ..

عنْكَ الدَّهرُ .. لا يَسْألْ ..

سَيُرْقَبُ ظلَّكَ المُمْتَدَّ ..

من أقصْى صَحاري القَيْظِ ..

ذاكَ الماردُ الجَلاَّدُ ..

يَأتي في صياحِ الدِّيكِ ..

بيْن أكُفِّه خنْجَرْ ..

يُغيِّرُ من غِناءِ الطَّيرِ ..

يَذْرفُ دَمْعَهُ يَسْعُل ..

يَسُنُّ الخنْجَرَ المثلوم

فَوْقَ العَظْمِ .. عُنْقِ الشَّيخِ ..

ذاكَ الجامِدُ الدَّهْريُّ ..

عَظْمُ الشَّيخِ .. كالفولاذِ ..

لم يُنْشَرْ .. ولم يُكْسَرْ ..

وذاكَ الدَّمُّ في أعتى ..

عروقِ الدَّورةِ الخَرْساءِ

لم يَسْقُطْ .. ولم يُنْثَرْ ..

وَيَبْقى جامِداً ..ذعراً ..

لهَولِ الصَّدْمَةِ الكُبْرى ..

 

* * * * *

يقولُ الشيخ : يَجْمُدُ في حَشاهُ .. الدَّمُّ ..

حينَ تَهَاوَتِ اللَّطماتُ .. فَوْقَ الوَجْهِ ..

وانْتَشَرَتْ تجاعيدُ السنين السُّودِ ..

يا وَلَديْ .. ألم تذكر ؟؟؟..

ألَمْ أحْضُنْكَ في ذَقْني..

وَلَمْ أتْرُكَّ للُّظلاَّمِ .. لَمْ أغْدُر..؟؟؟

أيمكنُ أنْ يصيرَ الشَّهْدُ ..

أمْلاحاً على سُكَّرْ ..؟؟؟

فَغَيَّرتمُ طُعومَ الشَهْدِ ..

بَلْ جِئْتُمْ .. بذا المُنكَر ..!

ألَمْ أغْمُرْكَ بالتَّحْنانِ ..

ألْحانَ التراويد ..؟؟؟

وكُنْتُ أهَدْهِدُ الفتيانَ ..

لَمْ أحْفِلْ بِتَمْجيدي ..؟؟

فيا للعارِ .. يا للْحُزْنِ ..

منْ زنْدي ..وتقييدي ..!!!

وما بالأمْس .. أقدْامي ..

تجافتني .. بتَمْديدي ..؟؟؟

 

* * * * *

يَحُطُّ المارِدُ الجَلاَّدُ

سَوْطَ (الفلقة ) النَّكراءِ .. جانِبَه ويتذكَّرْ ..

أيمكن أنْ يكونَ الشَّيخُ ..

هذا .. أفضلَ العَسْكَرْ ؟؟..

وَيْجَمعَ بالبسالَةِ .. أصْلَ

النَّخْوةِ .. الكُبْرى

وأعمْى عَنْهُ .. لا أبْصِرْ ..

فَخَبِّرْ يا قَديمَ الوَجْهِ .. خبر بالذي أكْثَرْ ..

عَساني اسْتعيدُ العَقلَ .. قَبْلَ الرِّيحِ

أن تصْفُرْ ..

لأذكُرَ من صبايَ الشَّيخَ ..

غَيَّرهُ العذاب المر .. أتَحَسَّرْ ..

فمالي اليَومَ .. أمسكُ وجْهَهُ المُبيَضَّ

والمصفر والفاقِعْ ؟؟؟.

أيمكنُ أنْ يكونَ الشَّيخُ ..

جُرْماً راسِخَ الواقِعْ ؟؟..

لأرفع فكَّهُ العُلْويَّ

أسْكُبَ جَوْفَه النَّاقعْ ؟؟..

وأخْلعَ ضِرْسَهُ المَنْهُوك..؟؟

نسيتْهُ السنونُ السودُ ..

جَوْلَةَ عُمْرِهِ الشَّاسِعْ ..؟؟؟

وأقطفَ رمْشَهُ الممتدَّ

أقصى كونِنا الشّاسِعْ ؟؟؟

فماذا لَوْ رَماني الدَّهْرُ .. صِرْتُ الشَّيْخَ ..

دونَ شَبابْ .. ؟؟..

بيْن الدُّوُرِ ..

دارَ خَرابْ ..؟؟؟

وحيداً ما لَهُ أصحابْ ..؟؟؟

لا يأتي لَهُ الأحبابْ ..؟؟

بِسِجْنٍ قَدْ جفاه الكل ..

لاَ يَتَسَلَّقُ الجِدْرانَ ..

لاَ يقْوى عَلَى الأبْوابْ ..؟؟

فَياَ وَيْلي عَلَى المسكينِ ..

لَوْ مَا أسْمَعَ الحُرَّاسَ .. هَمْسَ جَوابْ ..؟؟؟

لاخْتَلَطَتْ أصولُ الدِّين ..

والتَّاريخِ والأنْسابْ ..

فَلَيْسَ الحَقَّ .. أنْ يَحْتَجَّ

لَيْس الحقَّ أن يَهْمِس ..

ولَيْسَ الحَقَّ أنْ يَبْكي ..

على الأيامِ .. لا يَشْكو .. ولا يعبس ..

 

* * * * *

فحدِّثْنا أيا شَيخَ اعْتبارِ المُرِّ ..

مذ بَدَأ النوى فينا ..

عن الأحْزانِ .. والغيلانِ ..

حَدِّثْنا .. وَبكِّينا ..

* * * *

* * * * *

يَمُرُّ الشَّيْخُ بالأنْظارِ فَوْقَ الغيم

وَسْطَ الغُرْفَةِ الصَّمَّاءِ ..

يَتَقَاوَى وَيَتَشَجَّعْ ...: ـ

أنا يا جَالِدِي .. شَيْخٌ كَبيرُ السِّنِّ ..

لَمْ أولَدْ ..

ولَم أفْطَمْ ..

لأنَّ الصَّخْرَ أنْجَبَني .. فَلَمْ أرْضَعْ ..!

ولم أحْبُ ..

وَلَمْ أتسلَّقِ الأشْجارَ .. كالأطْفال..

بَلْ بالحُبِّ لَمْ أسْمَعْ ..

أتاني الشَّيْبُ كبَّرنَي ..

كَبُرْتُ .. كَبُرْتُ ..

بالأفراحِ لَمْ أطْمَعْ ..

رَكعْتُ الخَمْسَ في يَومي ..

لِغيْرِ الله ..

لَمْ أخْشَعْ .. وَلَمْ أركْعَ ..!

* * * * * * * *

وآهٍ يا طويلَ الصَّبْرِ ..

 قولُ الشّيْخِ يُبْكينا ..

دُموعُ الشَّيخِ كالقتْلى .. تُرَدِّينا ..

وَرَجْفُ اللِّحْيَة البَيْضاء ..

يَغْمُرُنا .. يُغَطِّينا ..

لَنَا زَمَنٌ .. طويلٌ .. عابِسُ القَسَماتِ ..

لَمْ يُفْلِحْ .. ولَمْ يَنْجَحْ .. بأن يَوْماً يُدِرَّ ..

دماءَ أعْيُنِنَا .. بصِدْقٍ أوْ يُبَكِّينا ..

* * * * *

ينز الشَّيْخُ بالآهاتِ ..

يا وَعْدي !!..

يقولُ الشِّيْخُ : ـ

هَدَأ اللَّيْلُ .. يا وَلَدي ..!

ألا فاسْمَحْ ؟ لجِسْمي أنْ يَنَامَ

اللَّحْظةَ الشَّوْهاءَ .. هذا السوطُ يُرْعِبُني ..

فدارِ السَّوْطَ .. عَنْ جَسَدي ..!

فَقَدْ بَردَتْ جراحاتي ..

وألْهَبَ عَمْقُها عَظْمي ..

أحَانَ الآن تتركني

أجَفِّفُ بالتُّرابِ دَميِ ..؟؟

وأنْزعُ كُتْلةَ الأسْلاكِ .. عن لَحْمي ..

لَعَلَّ اللَّيلةَ اللَّيْلاءَ..

تنْسِجُ لي هنَا نَوْمي ..؟؟

وآهٍ يا طويلَ العُمْرِ ..

قَوْلُ الشيخَ يُبكينا ..!

إذا ما ظَنَّ أنَّ الوَقْتَ ..

 وَقْتُ الرَّاحَةِ الكُبْرى ..

مِنْ اللَّسَعاتِ ... واللَّكَماتِ ..

والتَّعذِيبِ .. للظَّهْرِ .. الذي أزْرى

 

* * * * *

..

يَحُطُّ الكَفَّ .. فَوْقَ الخَدِّ ..!

يَحْضُنُ وَجْهَهُ المنهدْ ..

يَعُدُّ الوَقْتَ حَتىَّ الشَّمْسِ ..

آهٍ يا قَصيرَ العُمْرِ .. عُمْرُ الشيْخِ ..

رغْمَ الطولِ بالأعْوامِ .. كالَمهْدودِ ..!

أقصر مِنْ صَدَى  المعَدودْ ..!

يُحِبُّ النَّوْمَ .. لا فَرْقٌ ..

مَعَ الجرذانِ .. والشَّيْطانِ .. لا يهتم ..!

ورأسُ الشَّيخِ .. تَحْتَ النَّارِ ..

فَوْقَ النَّارِ .. كَمْ يا نومُ يشتاقك ..

بطَعْمِ النوْمِ .. لا يَغْنَمْ ..

* * * * *

يَقومُ الشَّيخُ ليُصَليِّ .. صلاة الفجر ..!

يَتَعَثَّرْ .. وَيَتَبَعْثرْ ..

وَيَسْتَجْدِي أباريقَ الوُضوءِ تَجيءْ ..

أرَى الإبْريقَ ..

يَهْويِ نَحْوَهُ .. يَمْشى ..

مَليئاً .. بالمياهِ .. الطُّهْرِ ..

 يَغْمُرهُ ..فيدثر ..

ويدَّفَّأ .. ويدَّثَّرْ .. ويدَّثَّرْ ..!

فَأنْتَ الوَعْدُ يَا شَيْخِي ..

وَنَحْنُ البُؤبْؤُ المفْقوءُ ..

في عَيْنِ الشيوخِ البيضِ ..

آهٍ .. مِنْ نُواحِ الديكِ ..

قَامَ الفجر ليصليِّ ..

هو الأكْبر .. هو الأكْبر ..

 

 
 

 

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية