|
|
|
مجدرة
* |
|
الكاتبة الفلسطينية
عايدة نصرالله |
|
aida_nasrallah@hotmail.com |
|
|
|
|
|
|
|
|
-1-
لأول مرة تنتابني جرأة السؤال:
أتعرف ببالي أن أراك وأنت تمارس طقس
اللهاث وحدك.
ضحك
وهل سبق لي
أن تساءلت هذه الأسئلة
بصوت عال إلا معه؟
"وكيف لكِ أن تريني في التوحد وعيناك
تراقباني.سيفقد
المشهد معناه"
"سأتلصص عليك من خرم الباب"
ضحكنا
"وأنا
كيف أراك وأنت متوحدة"؟
سألني
هذا صعب
.
لماذا؟
لم أعد اشعر بجسدي.
منذ آن هتك روحي أحدهم.
***
وجهه أسمر متوحش، عيناه حادتان، يخيل
لي أنه يستحضر شيئا ما من غجريتي في شبابي، عندما كانت
تلك اللبؤة تزأر وشيء ينتفض بي كوجع الميلاد.
نتكلم عن الجسد وكأننا نتكلم عن طريقة
تحضير العدس.
نحاول كلانا أن نخفي الماء الذي يبدأ
بعزف لحنه كموسيقى ناعمة بدءا ثم تشتد ضربات الطبول
فيموج البحر هائجا.
هذا كله وكلانا نحضر طبخة العدس
العدس يتشكل مذاقه حسبما نريد رخو أم
جامد، وإذا كان العدس حبا كاملا أم مجروشا، كمية البصل
الفواح التي ستغرقه وإذا كانت البصلة مقلية أم بدون
قلي حيث تبقى رائحته فواحة.
ضحك لتحضير طبخة العدس.
حضرنا الطبخة بكل جدية وكأننا نناقش
موضوع علمي
أتعرف؟
ماذا؟
كل امرأة تطبخ العدس تكون رائحتها به
أراه يرتخي، عيناه تذبلان، صوته يغير
موجاته، فأعرف أن ثمة حركة في طريقها للثورة تحت
الكرسي.
لم نتكلم عن العطور مثلا.
فالعطر كان أقرب في هذه الحالة من
العدس.
ربما هو الجوع الذي يكتفي بالحلم بأقل
الطبخات كلفة؟
معقول؟.
نعم
.عندما
لا نجد كثيرا من النقود آلا نطبخ العدس بديلا؟.
أتذكر أني كنت اطبخ العدس ثلاث مرات في
الأسبوع
يا إلهي ما هذا العدس الذي يفرض نفسه
فجأة على سطوري.
أيكون بسبب دائرية حباته؟ ولم تلك
الدائرة تستبد بنصوصي؟
"أحب
أن أراك تمارس ذلك العالم أمامي"
"سأتحول
لبطل فونغرافيا".
كلنا إبطال فوتوغرافيا ونحن لا ندري؟
كيف؟
السنا نمارس لذة الكتابة؟
كيف؟
السنا نأمل آن نصل النشوة في الكتابة؟
وأنت
شاعري الطفل الم تكتب الفونوغرافيا.
كنت أهيج لكلماتك
****
ماذا يمثل لي هذا الشاعر الطفل؟.
ألا يجوز أني أريده أن يعوضني عن كل
تلك السنين التي خلت بي؟ هل أريد استعادة الغجري
الغائب بهذا الشاعر؟
أريد أن يجتمع لي الغائب ابن ال25
سنة مع هذا
الآن دفعة واحدة؟
هو غائب
غائب
لا يشعر باحتراقي
أحبه؟ بل اعبده
ولكن للعبادة طقوس أيضا. هل سأمارس
طقوسي معه من خلال هذا الطفل?
أنهاري الجافة بدأت تستيقظ.
ولم لا?
أجمعهما معا
الغجري غائب
سأحبه من خلال هذا الطفل
يعني مثلا عندما نضيف الأرز على العدس
يصبح
"مجدرة"،
تصبح لها طعم آخر ، لكن العدس يبقى عدس والأرز يبقى
أرز.
أما
"المجدرة
"فهي
اللغة الثالثة، تماما هي اللغة الثالثة التي أبحث عنها.
وهل سيستقيم لك هذا الجمع؟.
لا..
لا يستقيم إلا في المخيلة فقط
عدنا لنفس النقطة
"أليست
المخيلة نوع من أنواع الجنس المكتوب؟
نعم
"كوني
واقعية"
قال لي الغائب.
"وهل
كنت واقعيا يوم نفثت حلبيك بي وغبت"?
"كوني
واقعية"
طبعا أنا واقعية ورأيت اللحم الصغير
يتفتت أمامي والطبيب يسحبه
وكنت واقعية وأنا أقول لك
"نعم
سأحميك برموشي، لا تخف على سمعتك"
"كان
ولد"
قال الطبيب
كنت سأسميه على اسم والده الذي غاب ولم
يعد
كم عمره الآن
"26"عاما
لا كان سيكون
25
نعم
عينا الطفل تطلان علي من خلال الجهاز
كأني أراه
وكلما نبض بداخلي كلما نبض ذلك العضو
الذي أشعرني بالامتلاء الغريب.
لكن النبض أوقف، بمقص.
والآن ......بالغياب
"أرى
في المنام دائما أن طفل لي ضائع"
يلاحقني هذا الكابوس، أحيانا أفتش عن
الطفل في غابة، أحيانا امسك بيده فيفلت من يدي ولا
أجده وأجد نفسي في السديم"
"حجمه
أكبر من معدل الأشهر؟
الدماء تنعفني، صديقتي تحملني مخدرة
عيناه الحادتان تلاحقني
"كنحبك"
أنا أم ابنك الأول، ليس قبلي وليس بعدي
"كوني
واقعية"
"كوني
واقعية"
لن أكن واقعية بعد اليوم.
شاعري الطفل ، لا تكبره كثيرا، ربما
أكبر من ذلك الطفل بسنوات قليلة فقط
.
ماذا لو طبخت مجدرة ؟
ألن يكن طعمها شهيا جدا؟
****
-2-
وأصر على أن يأتيني بالجواب...
يقشط غطاء أرضه الخارجية..يبين التراب الطازج رائحة
قهوة تفوح ..أصابعه طويلة..ناعمة...عيناه
مغمضتان..خصلات شعره تشبه راقصة تغنج بدلال على
جبينه...وهو يدخل عالم التوحد.
يد تمسد على حبة كرز بني بحركات دائرية..والأخرى تحاول
تقشير نبتة فطر أسمر
ثمرة فطره منحوتة بيد فنان..تعلو الثمرة عن ساقها
وتشكل حافة لا يمكن معها إلا أن تستند إليها دون
الانتزاع منها.
ثمرة فطرة مصقولة بشكل لا يمكن معه إلا أن يسيل لعابك
اشتهاء لطبخة الفطر.
ورغم أني كثيرا ما كرهت كلمة الفطر "ماشروم" شبعت منه
مكدسا في البيتسا الأمريكية، حيث لا توجد أكلة إلا
يدسون فيها الفطر حشرا.
لكن فطره يختلف..
أملس كالبرق.
يده تمسد على الفطر..
شاركيني القطاف
"لا أرجوك.أتوق لمشاهدة اللوحة فقط"
تشمخ النبتة شموخا يشبه شموخ السياسيين الذين يعلون
على غفلة من أمرك
"شاركيني العلو أرجوك"
"دعني أمتع ناظري بفطرك.....أرني وجهك "
أبلع ريقي
عيناه مغمضتان..لهاثه بدأ يحتل الصحاري والبحار..تهتز
ثمرة الفطر..وكسقوط السياسي الذي ارتفع على غفلة من
أمره...تنفث الفطرة حليبها يهتز الجذع...فأرتوي من
المشاهدة"
تسيل جرار الزيت في سري لتملأ "خوابي" الفلاحين.
يصحو ..مرتجفا..
يبتسم ذو الشامة...
"أنا أيضا لي شامة"
هههههههههه
هل نطبخ المجدرة أم الفطر؟
.........................
و.......ارسم اللوحة.
-3-
رسمت اللوحة..قهوة بالحناء ترابه...عيون عسلية..فم
مفتوح على مصراعيه...
شهقات الحواري تختلف.
اللغة انفتحت بكل ما فيها من غلظة العيش وشغف النسيج
ماء النيل شربناه حتى الارتواء
أبو الهول ابتسم.
اللغة سكبت ما فيها من لزوجة..تلقف فمه كل ما جال في
خاطره.
"عضة الفم تختلف بين الفخذين"
اندلق زيته لطمر كل حفرة في جسد الأرض.
ارتعاشات طفل توسد لهاثه كرزي..
صوت التمسيد ما زال يصلني..ذهابا وإيابا.
ارتعشت مرتين وهو ما زال يحاكي فطره..
اللوحة تنام
الصوت لا يمكن أن يصله اللون إلا بمعزوفة الاندغام
الكلي
هل سنطبخ الموسيقى؟
ربما
ربما
ربما
|
|
|
|
|
|
*
طبخة
فلسطينية
مصنوعة
من
الأرز
والعدس،
أو
من
البرغل
والعدس |
|
|
|
| |
| |
| |
|
الصفحة الرئيسية _
إلى
الأعلى |
|
|
| |