|
لا أؤمن بالاستسلام ، وهكذا وصلتُ
مدينة سانت موريتز
St.Moritz
بالرغم من كثرة العقبات التي
واجهتني..
بحماسي المعهود هبطتُ مدينة زيورخ
(سويسرا) أولاً، متجهة صوب سانت موريتز
St.Moritz
الواقعة في الجزء الجنوبي لجبال
الألب في وادي انجادن (Engadin
Valley
). كان الطريق طويلاً.. هادئاً.. خاليًا من السكان،
معتماً تنيره بياض الثلج الذى كسا جبالها وأنهارها
المحيطة بها.
في داخل السيارة سرح خيالي بعيداً،
فشتان مابين سانت موريتز والقاهرة. بالأمس كنتُ بين
شوارع الهرم أتجول للساعة الثالثة صباحاً، أراقب زحمة
المصريين.. أتأمل الجزارين وبائعيها المتجولين.. إنهم
يبيعون كل شيء في الهواء الطلق حتى السعادة.
للوهلة الأولى شعرتُ بالدهشة من مدينة
ينام أُناسها في الساعة الثامنة ليلاً.. نظرتُ
باستغراب نحو صديقتي حنان التي دعتني لقضاء إجازة
العيد معها، فهي تعلم حبي لزحمة الحياة، قالت لي:
انتظري الصباح وسترين العُجاب وقد صدقت.
ثلجُ سانت موريتز استيقظ باكراً
فاستيقظت معه، اتجه المتزلجون نحو جبال الثلج
يتراقصون على جليدها، ولا غرابة في ذلك فلقد احتلت
مسابقات سانت موريتز قمة العالم في التزلج على الجليد،
تنهدت بوجع ، فنحن العرب مبدعون في فن
التزلج على أوجاع بعضنا البعض.
عزمتُ وقتها على ألا أكون خارجة عن
إطار هذا الزمن، فلا يزال في قلبي متسع من الشقاوة
فلماذا أوصد أبواب الفرح وهي تقتحمني بعنفوانها
الثلجي؟
وبدأت فعلاً بتدريبات التزلج رغبة في
ملء هذا الخواء الفارغ بداخلي، وكم وقعت على الثلج
ونهضت وضحكت كطفلة فالوقوع بين طيات الثلج أهون لي من
الوقوع بين براثن البشر.
مختلفة هي هذه المدينة..وكم أحب هذا
الاختلاف فلا نكهة لمدن تتشابه.. ولا ميزة لأناس
مستنسخة من روح واحدة.. شوارعها..
مطاعمها الراقية..
شوكلاتاتها
المتنوعة بكل نكهات الحب ، أكلاتها المختلفة الفوندو
Fondue
الشهير .. حتى الفن هناك له مذاق مختلف..
عيناي الزائغتان لكل حكاية جديدة
أرويها لزمني القادم، كانت تلاحقان كل ملصق يحوي قصة
أو لوحة عن مدينة لا أعرفها، كنت لا آكلُّ من البحث
والتجوال بين الطرقات الثلجية طمعاً في دفء لوني. كان
اللون الأزرق يشّعُ من النافذة الزجاجية لإحدى
غاليريات سانت موريتز الشهيرة (Salis
& Vertes)،
صرختُ كعادتي بانفعال طفل وجد ضالته، تسّحبت قدماي إلى
الداخل، كل الألوان الزرقاء والحمراء في لوحاته تدعوني
للرقص في السماء إنها لوحات مارك شاغال
Shagal
الذي ولد في روسيا ليعيش بين مياه نهر السين راسمًا
بإحساس طفولي شفاف لوحات ( الورود الزرقاء والحمراء
fleur rouge et blue
– نمرود
nimrod
–العائلة
la famille
– الأصدقاء
les amis
..... )
الفن في سانت موريتز إذاً يمنح زائريها
فرصة للتعرف على مشاهيرها ، فغاليري (Salis
& Vertes)
وكذلك غاليري ( (Gallerie
Roseg
يهتمان بعرض أعمال فنانين سمعت عنهم في الصحف ورأيت
بعض أعمالهم
في معارض التيت مودرن
Tate
بلندن ، وبامبيدو
Pompidou
باريس، من أمثال: بيكاسو
Picasso،
ماكس ارنست
Max Ernest
، ماتيس
Matisse،
دوبيفيه
Jean Dubffet،
ليجيه
Fernand Leger-
ِأرمن
Arman-
برونو بروني
Brouno Brouni-
ٍسلفادور دالي
Solvador Dali
ونيكي
Niki de saint Ralle
).
المدن تبدو غريبة عن سائحها حتى يتعرف
إليها، إما أن يقع في غرامها فيتمنى المجيء إليها
ثانية أو قد يملها ويقسم ألا يزورها ثانية، وكان من
المحال من يرى شمس سانت موريز وهي تغطي الثلوج دفئاً
ناقلة أشعتها إلى قلوبنا إلا أن يُفتن بها.
وقد ازددت معرفة بها حين قمت بزيارة
متحف ساغنتيني (Segantini
Museum)
الأكثر شهرة
لسياح سانت موريتز، فساغنتيني فنان إيطالي قدم من
ميلان (إيطاليا) وعاش لـ 5 سنوات في سانت موريتز
راسماً جبالها البيضاء.. وطبيعتها الخلابة، فمنحته
المدينة متحفاً تخلّد ذكراه لأبد الآبدين.
ومتحفاً أخراً يدعى ( متحف بيري
Berry museum
) وبيري
طبيب فنان تأثر في أعماله بإسلوب ساغنتيني...
مُحال من يدخل ويخرج من متحفه إلا
ودفء المكان يلاحقه، بجدرانه الملونة المزيّنة بصور
بيري العتيقة المتجددة بلون خيوط الشمس الأصيل.
كانت لحظات الوداع الأخيرة محزنةً لي
وأنا أشاهد الثلج يكسو الرمق الأخير من خضرة أشجارها.
للزوال كل شيء، ولكن مع تعاقب الفصول ينبثق اللون
الأخضر من جديد، إنها سنة الحياة تقسو فتلين.. فتجري
مياه الأنهار الجليدية لتداعب وجه النهار.
صمتُ الانبهار رافقني منذ بداية رحلتي
لسانت موريتز وحتى في وداعي الأخير لها.. بدت لي سانت
موريتز لوحات فنية متجزئة في لوحة واحدة، دينامكية فهي
ليست قطعة قماش نمزج ألوانها فنعلقها على جدران هذا
الزمن البارد، بل كان الفن مجتمعًا في ثلجها وأناسها
.. وفي وجودي قرب صديقتي وأطفالها ياسمين، عبد الله،
حنين وحسن..
فللثلج دفء لوني خاص لا تدركه قلوبنا
إلا حين نكون برفقة من نحبهم.. |