|
إنها
الثالثة و النصف فجراً و الأحذية الثقيلة تحدث
جلبة في سيرها نحو
بوابة الزنزانة الصغيرة
..
الممرات
الضيقة بدت أضيق مما هي عليه في برد
هذا الشتاء كأنها تكاد أن تنطبق على نفسها
لتستشعر الدفء ..
و الزنزانة الصغيرة لم
يكن ليدفئها إلا أنفاسه و رجاءات متعبة
لا ترتجي إلا الإله ..
كانت يده الخشنة تمر
بحنو فوق الغطاء الرقيق ثم تصعد
الوسادة المنهكة من تقلبات جمجمته
المتعبة عليها ..
كانت يده ترتجف من قلة
النوم .
حلم كثيراً
بالقرآن الذي لا يفارق يديه ،
حلم بصفحاته تنفتح
لوحدها
ليخرج منها فضاء أبيض يشبه طحين أمه العالق بفساتينها
السوداء صبيحة طابون يتّقد و
يتسعّر لتدخله الأرغفة النيئة .. فضاء أبيض كأسنان
أولاده يتضاحكون حين كانوا صغارا ...
إنها الثالثة و
النصف و خمسة دقائق و الأحذية السوداء المتسخة بوحل
الشوارع تتقاطر عبوراً نحو زنزانته
و هو يقول : ـ لم أُصلِ
لله كفاية من أجل
أرواح أولادي و أرواح الشهداء و من
تعذبوا على أرضي ..
يا الله .. وحدك تعلم كم
كنت أريد أن أصلي أكثر ولكن لا متسع
بزمن الزنزانات و أقفاص الاتهام ..
و وحدك
تعلم بأن الأنا النادمة ليست تلك
الأنا في سدة الحُكم والحكم لك من قبل ومن بعد
وبأني حججت لك بالأمس و وقفت بقلبي
على جبل عرفات طمعاً برحمتك وطمعاً براحة النفس
..
يا الله مدد ..
مدد لشيخ في السبعين من
عمره كسروه آلاف المرات بمنأى عن
سلاحه ..
مدد و ذراعاي تؤلماني في
الأصفاد فلا يتقويان إلا بقبضتهما على قرآنك
وهم يسوقوني إلى وجوه لا أعرفها قالوا
بأنهم أبناء هذه الأرض ..
مدد يا من وسعت
رحمتك كل شيء بينما عجزت رحمتنا أن
تسع المقربين منا .. تبتُ إلهي فارحمني
.
الرابعة إلا خمسة دقائق
و صرير بوابة الزنزانة يفزع فراشات الحلم .. ظلال
طويلة تسقط على جدران و أرضية
الزنزانة
ـ سنتحرك الآن ، هل أنت
جاهز ؟
إنها
الدقائق المعدودة التي تسبق تصفيد
اليدين تمارس بها اليد حريتها في الطلق . رتب
كتب التفسير و دواوين الشعر فوق
المنضدة الصغيرة ،أخرج
الكيس
الصغير من تحت سريره وأعطاه للحارس قائلاً
:
ـ لا تنس أن
تذر فتات الخبز بعد ساعتين للعصافير
في الباحة إن أتت كعادتها تسأل عني ..
شد
ياقة معطفه على الرقبة الهرمة و تقدم
صوبهم تسبقه يداه للأصفاد.. لم يقو على القاء
نظرة أخيرة على زنزانته
ترك بها كل شيء كتبه ،
دموعه ، هواجسه ، أحقاده ، ضوضاء
الجنود ، رطوبة المجهول القاسية ،
شماتة خصومه ، كوابيس ماضيه ، انتصاراته ،
انكساراته ، سواد عباءات نساء بلاده ،
أدمة رجال وطنه المحروقة فوق دبابات مدمرة ،
أشعار مدّاحيه و لاعنيه ، ضحكات
أولاده ، طلقات بندقيته ، تصفيق الحضور في قاعات
البرلمان، أعشابه التي تفنن بسقياها
من ماء شربه ودموع عيونه و و و كثيراً من
الأسئلة المعلقة ، لم أتوا إلى أرضه
ولم هو هنا ؟
أقسى أمانيه الآن
رصاصة
معدنية صغيرة محشوة بالبارود تخترق جبهته لتستقر في
وسط الجمجمة، ثم سلام عسكري و
تابوت يُلف بعلم بلاده وأربعة أكتاف بزي عسكري وطني
تقوده صوب المقبرة في صبيحة يوم
ماطر ..
للمحكوم بالموت على يد
الآخرين الأحقية باختيار موته .. أمنية تمناها
لنهاية كان يؤمن بها كيقين لكن
الأماني تبقى رهن المستحيل ..
إنها الخامسة و
الربع فجراً و القاعة الكبيرة ذات
الرخام المصقول قد تكون آخر فضاء متسع تراه عيناه
الزائغتان ..
هم يتلون عليه أوراق
رسمية لمحاكمته التي أتت كعرض مسرحي ، لكن
الأوراق الرسمية لا يراها إلا قصاصات
ورق
قصاصات لا أكثر والله
أكبر في أرضه
وسمائه ..
أراد أن يتنفس بعمق
بعيداً عن هذا الجبل الرابض على صدره تأمل وجوههم
وهم يقولون :
ـ " .... بالإعدام شنقاً
حتى الموت .." ، وتذكر مثلاً شعبياً في
بلاده [اللي تكرصه الحية بيده ايخاف
من جرت الحبل ]
رددها بسره : " تكرصه
الحية بيده
و مو بس بيده لا بعِد تغوص بنابها للدم الماشي بوريده"
.. وضحك كثيراً بسره .
إنها الخامسة و النصف
..
يُريد أن يُصلي صلاة
الفجر ، الصلاة خير من
النوم من نوم ضمير الإنسانية جمعاء ،
شعر بوخز في صدره و فرح كثيراً به لا يزال
ضميره هنا و هذا الوخز هي أصابعه تضغط
على الصدر ليقوى ..
"حيا على الصلاة حيا
على الفلاح" ..
و اللحية البيضاء يعلق
بها و برٌ صغير من نسيج السجادة الصغيرة
يعيد للنفس تلك الطمأنينة التي لم
يعرفها وهو فوق دبابة متوجس من
الأعداء.
"السلام عليكم ورحمة
الله و بركاته ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
..
ـ عن يميني و شمالي
والحمد لله الذي جعل في كتاب الأجل لحظة انعتاق أخيرة
لهذه الرقبة لتلقي السلام على
الجانبين وهي تختم صلاة الفجر بشهادة الملائكة
..
قرأ آية الطمأنينة قبل
أن ينهض واقفاً على قدميه { يا عبادي الذين أسرفوا على
أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن
الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم
}
يا الله ..
وغصن الجسد السبعيني
يستقيم للقاء الإله ، يستقيم لأن
الرجاء إهانة ممن لا يُرتجى لأننا
الضعفاء في طُغياننا إن جهلنا و العظماء برحمة من
الله حين يأخذ بالبصيرة لأنوار الحق ،
يستقيم لأن سنوات الأسر كانت الأقرب لوجه
صاحب العزة ، كانت بها السماء أقرب
للجبهة الساجدة على الأرض كانت أقرب لباب الرجاء
بالمغفرة من إله السموات وكانت أقل
حملاً من أوزار النفس في يافع الشباب ..
الساعة السادسة إلا
عشرون دقيقة والقامة السبعينية لا تزال تتماسك لتحافظ
على استقامتها بأصفاد اليدين و
القدمين ولا وجه من هذه الوجوه يمرر تحية أو معايدة
بعيد يتنفس فجره قبل الرحيل
.
بكلمات حازمة أرادوا أن
يستحضروها بمشيئتهم من وهم
يُدعى التحضر بمخاطبة المجرمين قالوا
:
ـ سنضع كيساً أسوداً على
وجهك حرمة لك
وأنت تحتضر كي لا تُخيف الصغار بعينيك
الجاحظتين و زبدك النافر من زوايا الفم فوق
وجه سيفقد لونه تدريجياً ليُطلى بزرقة
الفجر الصاعد
رفض وهو يفكر بعصافير
باحة
المعتقل هل افتقدته هذا الصباح ؟ ألم تطر جزعة من يد
الغازي الغريب وهي تذر لها
فتات الخبز؟
هل رفضت مثله فتات الخبز
الساقط من يد الغريب حفاظاً على الكرامة
التي آمن بها ؟
تقدم خطوتين بمساعدة تلك
الأيدي واستوى فوق المنصة ، هذه المنصة
ليست كباقي المنصات التي ألفها و
انتشى لتصفيق الجماهير المتحلقة
حولها
حدقتا عينيه تتسعا
وتتسعا لتلم آخر التفاصيل للمشهد، الحبل يتلوى
كالأفعى بيد جلاده ليلتف على العنق ،
يهوي القلب في عمق أعماقه ويعود ليصعد مستقراً
في الحنجرة . "تماسكي أيتها النفس
الآن الحكم لله وحده هو يحكم بيننا فيما كنا به
نختلف " ظل يحادث النفس ويتحايل على
رهبة الموت واللغط يتصاعد كالزوابع كصرير
الحديد المهتريء من حوله "إلى جهنم
..إلى جهنم " .
يضحك من جهلهم ما هي إلا
لحظات ويتدلى لعالم الحق ويظل اللغط
يزبد و يرعد في هذا الفجر الأعور ..
" أشهد
أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله .." ربي اغفر وارحم ضعفي وعجزي ويديّ
المصفدتين بالأصفاد ، ربي إن تبتُ
إليك وتبرأت من شهوة الحياة ..
و بثواني
معدودة شاهد فجراً يبزغ من سقف المكان
المُعتم سمع نداءات أرواح أزهقت هنا لمح آلاف
الأسئلة التي كانت تطعنه كل مساء لم؟
وكيف؟ وإلى أين ؟
لم تثبُت الرؤيا إلا
على سؤال واحد
كان يطير في فضاء المكان بحريةٍ لم يعرفها هو ولا
أبناء شعبه ، حرية لم تغتسل
بمياه نهرهم ولم تصحب صبيتهم إلى المدرسة ، أراد أن
يقبض عليه بإجابة لكن كتاب
الأجل أُقفل و هوت المنصة بالقامة المنتصبة! هوت
و الجذع
ينتفض كعشبة حادثها كثيراً في المعتقل كماء النهر في
بلاده تجرحه المراكب كنداء
المآذن تخترقه فرقعة المتفجرات.. بينما
الصباح
ظل يصعد تلة السماء كعجوز أحدب كانتا عيناه
الجاحظتان لا تزالا
معلقتين في السؤال :
من سيُطعم العصافير في
بلادي
؟
|