01/02/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 

دماء الفيروز

طلق المرزوقي _ قصة قصيرة

tlq6@hotmail.com

 
 
 
 

ما قبل الطقس

القمر الذي كان يتوسد غمامة زرقاء مثقل بالوسن ليلة البارحة , استفاق هذه الليلة مانحاً الكون شيئاً من ألق الفضة . استلقيت على الأريكة تحت الضوء تحديداً , لم تفتضني شهوة النوم هذا المساء , ربما لأني تعودت ألاّ أسلم عيني للخدر إلا بعد أن ترتج الظلمة فضاء الغرفة . كان القمر بدراً هذه الليلة , أخذ يسكب كامل فضته على المدينة , تركت ستائر النافذة مشرعة للضوء الفيروزي , الذي بسط فتنته على أجزاء كبيرة من محتويات الغرفة واستسلمت للهواجس , لا أدري كم لبثت ؟

المؤكد أني هيأت نفسي للنوم ربما كنت معلقاً بين الصحو والنوم , أو أني نمت بالفعل .

آخر ما أذكره أني كنت أحدق في الستائر ذات اللون الأحمر الخمري ، وكيف تهدلت على جانبي النافذة، فتعاضدت مع لون الفيروز لتمنح المكان فتنة وبهاء .

ثمة تمتمات تجيء من أغوار المجهول , كنت أسمعها بوضوح ، حيث كنت ما أزال ممداً على أريكتي وبقرب رأسي يقبع مجسم خشبي لشهرزاد ، كنت قد نحته مؤخراً . التمتمات أخذت تتراكم حتى تحولت لصوت غامض لكنه ما لبث أن تجلى حتى أصبح نقياً آسراً يردد:

 

- إنه القمر , انبثاقه حياة , واضمحلاله موت.

التفت متوجساً إلى يساري حيث الطاولة القابع فوقها المجسم الخشبي لشهرزاد , كانت جالسة وقد غرست ذقنها في راحة يدها اليمنى وتحدق في وهي مبتسمة . الغريب في الأمر أني لم أخف بل أني رحت أشحذ الذهن , فتذكرت أني حين نحتها بيدي كانت واقفة وقد أطبقت بيدها اليمنى على طرف قفطانها المزركش ..

 

طقس أول / الظهور.

همست: قررت ألاّ أموت , كان ذلك منذ ألف ألف عام

نزلت من على المنصة ثم أقعت بجانب النافذة , كانت تحت شلال الضوء الفيروزي , نهداها الباذخان يجثوان على صدرها برشاقة سافرة , شعرت بالربكة لكن رغم ارتباكي إلا أنني أستطيع سماع تنفسها المنتظم , وأرى صدرها العاري وهو يحرك نهديها بطريقة أخاذة

صوبت عيني إليها محاولاً رصد كل تفاصيل الفتنة في جسدها الفتي , قرطاها منسدلان على طرفي عنقها بأناقة مفرطة , عطرها يتضوع بخفة مانحاً أنفي لذة آسرة , كل ما حدقت فيها استباحت جسدي رعشة عميقة , أدارت رأٍسها إلى خارج النافذة تراقب القمر المشع , رحت أركز عيني على شعرها المسترخي على عاتقها العاري , فلاحظت شريطا رقيقا خمري اللون , جدل مع خصلات شعرها في المنتصف تحديداً , بقية شعرها المنفلت من الشريط ، تناثر بفوضوية على ظهرها العاري ، أشعة القمر المنسكب على وجهها منحت قسماتها مزيدا من النعومة والرقة , كانت ما تزال مصوبة نظرها إلى القمر مباشرة غارقة في لذة التأمل العميق , تناستني لبعض الوقت

اذكر أنها حين نزلت من المنصة هدهدتني وبدأت تروي لي سيرتها، كنت مستسلماً للحكي الآسر حتى أنها أوقفت تدفق الأسئلة على حدود شفتي .

 

وراحت تحكي

- حاولت التمرد حاولت مراوغة الجلاد لم أشأ أن استسلم للتيه .كنت أراوغ الذكر وكان يراوغني كنت أحبه وأكرهه في الوقت ذاته .هو من يستطيع تأكيد أنوثتي وهو في الوقت نفسه من يستطيع محوها , حين يهبط الظلام أنسل الحكايا من بعضها البعض حتى يداهمني نور الفجر، فأعلن رغبتي في أن أتوضأ ببياض الصبح الذي تدفقت أضواءه .

 

الآن أفلت من سطوة الخوف الذي أمارسه كل ليل حتى صياح الديك الودود , الآن فقط وفي لحظة مسروقة من زمن مرعب أعلن لك عن رغبتي في أن أتعرى بين يديك ،أمارس الرقص وأطرق بأصابع قدمي الحافيتين أرضية الرخام اللامع في هذه الغرفة.

 

سألَتني:هل تشتهي الرقص

- نعم ... نعم , ورحت أترنح على صوت إيقاع خطواتها فوق رخام الغرفة , شعرت بخفة لم أشعر بها من قبل فقلت بلهفة:

- أيقظي نشيد الروح في برزخ الوقت الشهي , فقد لا نلتقي مرة أخرى.

شعرت أن صوتها وإيماءة يديها الناعمتين , تزرع الربيع في تلافيف أوردتي , وتحرث صحرائي المترقبة دوماً للمطر الربيعي

 

أوقفت الرقص فجأة ، تقدمت نحوي وأطبقت بيديها على عضدي ، حدقت في وقالت بصوت متكسر:

 

- منذ ألف عام كانت ملامح وجهي تفترشها الدمل فأقاومها بالحكي الجميل، حتى أتيت أنت وكشطت هذا الخبث، فتجرأت على الوقوف أمامك بكامل وعيي لأطارحك الوله ، فقم إني أشتاقك حد الوجع .

وأردفَت : سأرتديك وجهاً سرمدياً لا يمحوه الموت .

كيف وقفت متسمراً أمام امرأة بهذا البهاء ولم أمارس الجنون ؟ كيف تعاليت على رغبتي في أن احتويها بين ساعدي؟

لا ادري .......

كل ما أذكره هو أنني أمام رنين صوتها العذب التحفت رداء الصمت ،واستسلمت لحالة إصغاء عميقة.

- في المساءات الغابرة كنت أوقد في أوردة الليل دهاء جدتي الكبرى، فكنت أعلل المستبد بالحكايا المصطلية بنار الترقب الممض ، كنت أخشى أن يمتد ميسم الموت إلى أوردتي فيفصدها واحداً واحداً .

سيدي أعرف أنك مختلف عنهم وأن أصابعك اللدنة هي من شكل تفاصيل جسدي البهي .أي شيء فيك يشدني إليك ؟ أهو الصفاء الكامن في أعماق عينيك السوداوين أم صوتك ذو النبرة الخافتة الذي يشي بالزهد في كل جبروت الرجل ، أشعر أنك تشبهني حد التطابق .

كنت مفتوناً بهذا الصوت الذي ينبثق من حدود الأزل البعيد. كنت أخشى أن أستفيق فيتلاشى صوتها أو يذوب مع ضوء القمر الفضي ويتشتت في فضاء القبة السماوية الواسعة.

- حركة أزميلك المعدني حين كشط الصخر أومض تفصيلا صغيرا مثقلا بالجمال الأنثوي السرمدي فابتهجت للحياة ، أشعر بأني أكثر بهاءً من النساء , أشعر بأني مؤهلة لمراقصتك أنت وحدك.

 

طقس ثان / التعاظم.

أخذ حضورها يتعاظم ثم توجته بالرقص .

نزلت من المنصة الخشبية التي كانت تقف عليها وأخذت تطرق أرضية الغرفة بقدميها العاريتين : طق ...... طرق ..... طق . أخذت توالي طرق الأرض بمقدمة قدميها , العرق يتفصد من جسدها العاري بغزارة , جموح ,حمى , سفر إلى حدود زمن لانهائي وبعض شهوة وأنا أتابع الرقص بفضول كبير ولذة غامرة .

- قفي ... قفي , ارتبكت حركة الدماء داخلي حين أيقظك نور القمر ،أوقفت الرقص وانتصبت قبالتي تماما ، بدت وهي تقف أمامي بقوامها الممشوق فارعة كشجرة سنديان ، أشعلت داخلي شهوة عارمة حاولت كبتها عنوة.وبأناقة مفرطة أزاحت شعرها المتناثر على وجهها بسلاميات مستدقة بيضاء غاية في الجمال .

الآن فقط تيقنت أن طرقات أزميلي اجترحت مكامن الجمال في بطن الحجر الأخرس , تيقنت أن استجداءاتي للحجر أن ينفلق لم تكن عبثاً ، طرقات الأزميل لم تكن في كتلة يابسة كما اعتقدت , يراودني شعور مخيف كلما تذكرت بجماليون , هل تعرفين بجماليون أيتها السيدة ؟ تجاهلتني وعاودت الرقص من جديد ، التقطت بكفي أطراف أصابعها الناحلة ورحت اقرع الأرض بقدمي .

 

طقس ثالث / التناقص.

قالت : حين يتوارى القمر في السديم أنزل إلى رحم الأرض السفلى ,أخبئ في يدي النواميس ، أخترق البوابات السبع , فيأمرني الحراس بأن أنزع ثيابي ، امتثل لهم وألقي عند كل باب قطعة منها , وادفن حللي الملكية تحت العتبات, وعند البوابة السابعة , أقف عارية من كل شيء واغرق في الديجور , أمكث ثلاث ليال مشدودة إلى الأرض بخيط لا مرئي ، أظل أصارع الظلام والوحدة أحشو فمي بالصراخ المر ولا أحد يستجيب، وحدها الأرواح الشريرة والشياطين هي الحاضرة ، توغل بوحشية في طمس أضواء الفيروز ، فيصير القمر محاقا ، ثلاث ليال من الموت أنتظر أولادي الأبرار ليغسلوا الظلمة بدماء القرابين حتى ينجلي النور من جديد , وحين يكتمل القمر أغرق في لحظة من الإشراق ، تحتشد أوردتي بالدماء فأتيقن أن لحظة العودة بدأت, فأمر بالأبواب السبعة راجعة , ألتقط ثيابي وحللي وأعتمر على رأسي تاج السهول المرصع بالفضة , ألتقط الصولجان المذهب, أشد ألواح الأقدار على وسطي وأهيئ السلال المعبأة بالقمح لبذرها في الحقول ، أمارس الصعود ثانية للسماء , أسفح الخصب والنماء على الأرض ، وأزرع الفرح في الأحداق ، فيتناهى إلى أذني غناء الناس المباركين :

 

مرحى ! مرحى !

مرحى ! لتلك المقدسة التي تظهر في السماء

مرحى ! سيدة السماء العظيمة

أيتها المشعل المقدس ، أنت تملأين السماء بنورك

أنت تجعلين النهار يتألق عند الفجر

مرحى ! يا ابنة القمر البكر

عظيمة ومهيبة ، ومشعة

أنت تسطعين بتألق في المساء.

 

شعرت بالربكة ، لم أ عد أعرف ما يجري ، تقرفصت ، خبأت راسي بين ركبتي ،

لست متأكدا كم مر من الوقت قبل أن ارفع راسي وأباغتها بسؤال:

 

- من أنت ؟

- أنا كل النساء .

- من أنت ؟

- أنا التي تجمعت كل الأسماء في ذاتي .

أشاحت بوجهها إلى الغرب ، علقت عينيها في الأفق ، وران بيننا صمت ثقيل كأنه الرصاص المذاب.

 

ناديتها بتوسل:

- ليلى انظري إلى أخبريني لم كل هذا الحزن القابع في عينيك.

التفتت إلى وقالت :

 

- إنه القمر اضمحلاله موت.

 

أكملت بنبرة مثقلة بحزن كبير:

- عندما تشتاقني فتش عني في رقم الطين وعند حدود القصب , ستجد علامات دالة على أني هناك أستحم تحت ضياء القمر، وانبثق من جديد عند بداية ظهوره الأول.

 

طقس رابع / الغياب.

فتشت عنها الغرفة فلم أجدها , حتى أن القاعدة الخشبية للتمثال كانت فارغة تلفها سكينة مهيبة, ولا يوجد عليها شيء , شعرت بحزن شديد يعتصرني.

رنة الحزن في صوتها وهي توصيني بأن أفتش عنها في رقم الطين , أشغلتني عن شعاع القمر الذي بدأ في التلاشي , حين انتبهت رأيت غبش الصبح يداهم الضوء الذي أخذ يتبدد في خضوع, شعرت بمرارة شديدة لفقدها, وقفت على سياج النافذة المعدني , ورحت أحدق في البعيد , أطراف أصابعي ترتعش وعروق يدي نافرة محتشدة بالدماء , وعيناي معلقتان في الأفق البعيد , حيث يقبع الضوء الآخذ في الاضمحلال , بدت السحب المتناثرة في الأفق وكأنها قباب موشاة بالفضة, تصارع كي لا تتلاشى في الغبش المستبد بالفضاء ، جحافل الضوء الفيروزي هُزمت تحت زحف الغبش الذي عبأ المدى و جعل الرؤية غير واضحة .

 

أنطقتني الفاجعة فصرخت :

" عودي أيتها المرأة المنحوتة من نبض أصابعي والمخلوقة من طرقات أزميلي , أنا من أنشأتك , أنا من استولدتك من نبضي , فهناك أسئلة حارقة مترعة بالقلق ما تزال محشوة في فمي . "

صوتي يضيع في الفراغ شعرت باللا جدوى فأغمضت عيني كل ما تبقى في ذاكرتي هي تلك المئذنة بأضوائها الراعشة والتي كانت تجاهد في الظهور من خلف غلس الفجر.

 
 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية