01/02/2007

-----------------------

مواد سابقة للكاتب

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 

تجربتي مع الشعر ( هذا ما استطعته )

سامح كعوش _ شاعر وناقد أردني

samkaawach@hotmail.com

 
 
 

أنا الإنسان، أجل. أنا الذي خلقني الله و لم يجعل لي مثيلاً، خلقني على شاكلته الأجمل فكنت أنا محاولاً أن أرتقي إلى ما خلقني لأجله، وهو الأسمى الذي لا يرتضي لنفسه ولمن خلقهُ على شاكلته إلا الرقي والسمو، وهو الجليل ذو الجلال و الإكرام، أكرمني بأن خلقني شاعراً، وإنْ ضاحكاً باكياً معاً، ثائراً راضياً، حائراً عازماً، عاجزاً قادراً

الشعر كلام الله، بل هو أجمل ما خلقه الله على وجه الأرض من كلام. ليس من كلام تعلمه الإنسان إلا وبدأه الإنسان بالفكرة قبل التشكل اللغوي البدائي قبل تطوره ليصبح خطاباً مفهوماً ودالاً، إلا لغة الشعر فهي تبدأ من حيث لا يعي الإنسان ولا يدرك

لا أدري من أين يبدأ بي الشعر لأبدأه، ومن أين ينبثق ألقا ً دافقاً بالمحبة و المشاعر النبيلة حتى في أشدّ لحظاتها سوداويةً و تطـيُّراً. ولا أدري هل هو الشعر الذي يجرب بي أم أنني من يجرّب الشعر طريقة عيشٍ، و محاولة إثبات وجودٍ في حياة لم تـثبت لي طوال استقراري بها و مروري عبر ثوانيها المتثاقلة اللئيمة، لم تـثبت لي إلا عدمها ولا جدواها

هو الشعر إذا ً العدميّ الوجه الأزليّ القيمة التي تحتفي بذاتها ولا تتخذ شكلاً غير الفراغ، ربما لأن الفراغ مساحة مفتوحة للتنفس أو هو مساحة ما قبل الكتابة في حبر البياض، أو لحظة القصد قبل القصيدة

هو الشعر في انتسابي إلى عبثية عالمه خارج مشيئتي، وحدود اختياري الواعي لأشياء ما يشبهني على هذه الكرة المسطحة ككفٍّ في انتظار من يقرأ فيها تعاريجها بين الانقباض و الانبساط. كلحظة خروج وليدٍ من رحم أمه التي تعاني لا لأنه فيها، بل لأنه ينسحب منها و عبرها إلى عالم ٍ سيكون فيه عارياً ووحيداً كظبيةٍ في عين ذئابٍ جائعة

هو قصيدة تتشكل من جبلة طينٍ على يدي طفلٍ صغيرٍ يخرج فيّ كلّ صباحٍ ليعيد ترتيب أولوياته لا اهتماماتي، وليحيلني شكلاً أكبر من وعيه، وأصغر من أن أتسع لأحلامه المجنونة الطفولية والعابثةِ بامتياز

قصيدة تتشكل حيناً عاموديةً موزونةً ترقص على وقع حوافر خيل الخليل بن أحمد، و حيناً آخر تنساب مع غابات النخيل في ذاكرة السياب مموسقةً بتفعيلةٍ تنهمر مطريةً عشبيةً خضراء كرابيةٍ في "جيكور" ترتدي أحذية المطر لتزهر بيلسان روحٍ لشاعر ٍ صمم على الانتحار قبل ولادته. وكانت أداة القتل أنثاه التي استنـزف كلّ طاقات قلبه على العيش في مسعاه الوحيد إلى إرضائها ولا ترضى

وهي في حالتيها دفقٌ شعوري قد يتخذ أحياناً كثيرةً شكل اللا شكل و روح المعنى ليصير شعريةَ اللحظة و امتداح السماء لأحلام الناظرين إليها من حيث هم، في وهم هذا الارتفاع إلى ما فوقها. كأنهم يمتلكون أجنحة الرؤى ليصنعوا سماواتهم الخاصة بهم، بكثير قلقٍ و بحثٍ عمّا لم يكنْ من دفء ارتطام أرجلهم الحافية بالأرض حين ولادتهم أو انغماسها في الأرض حين رحيلهم عنها

هي حالة غضبٍ تكتبني كي أزداد اشتعالاً بها فلا أهدأ قبل تناثر شظايا الكلام في جسد الورق لينبت في كل سطرٍ بستان فرحٍ لم يقل كلمته الأخيرة، أو حقل صبّار لم يسلّم لأحدٍ رصيد الشوك المخبوء في أكمامه الحاقدة على زهره

هي حالة غضبٍ تستغلني بكل وقاحة وصفاقةٍ لأنها فقط تطلب مني أن أتعرّى أمام جمع الحروف كي تكتب ذاتها بدون عباءة ولا طاقية إخفاء. ترتديني لتستر عورة قلة كلامها و قلة أخلاقها أيضاً لأقع أنا في البياض و أصير حاضراً لمشنقة عيون الآخرين. حالة الكتابة بكل كآبتها استرداد لحظات موت المعاني اللافظة أنفاسها في صراعها مع المعاني التضاد في ما يقارب سخرية الحياة نفسها، " يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحا/ كعاشقٍ خطّ سطراً في الهوى ومحى".

أن أعشق الحرف و أحب الكتابة كضد يتحقق في ذاتي ليمزقني فأفرح، و يرميني في الهاوية لأطير، و يدفعني بكل جنون لانسكب في الحرف بكل رغبة عاقلة واعية. أن أعشقه حدّ اختناقي بحركاته المجنونة، وانسحاقي بعجلة أمره و استعجاله التشكل في حروفيةٍ غريبةٍ لا يفقهها بنو البشر الجاهلون أدنى قيمةٍ من قيم التواصل بين الأشياء بعضها ببعض كما بنيان الصخر أو التقاء بر ببحر

 
 
 
 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية