01/01/2007

-----------------------

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

من يهتم يا منصور؟! . .

زهرة محمد - الرياض

roo00oose_79@hotmail.com

 
 
 

..

قيل: اقتيد إلى قبره !

لكأن شيئاً من رهبة الموت لم تحفّ السائرين في جنازته.. ولكأن الطريق من المقبرة إلى دار أهل الميّت تحوّل-على غير العادة- إلى مفترق طرق كلٍ إلى غايته وحياته .

عندما عاد أبي سألته كيف لم يقم أحدهم العزاء لمنصور؟.. قال: ليس له أقارب في الجوار .. وليس له دار . ثم "من يهتم!".. لم يصرّح بها تماماً لكني لمحتها في إيماءة لا مبالية  ثم في انشغاله بقراءة الجريدة بين يديه .

 

تركته يقرأ , وعدت إلى غرفتي أكتب ...

بدأ تواطئي مع منصور منذ أول يوم لي بالقرية .. بمعاونة غير معلنة من والدي .. حينها وصل إلينا خبر سرقة أحد المنازل الغير مأهولة .. كنت لأول مرة أسمع عن منصور عندما رفعت القرية أصابع الإتهام إليه .. مازلت أذكر والدي جيّداً كأنه كان متعبا من الأقاويل التي تناقلتها نسوة القرية ,  إذ قال بيقين قاطع " ليس هو الفاعل ..منصور في جدّة ".

نظرت إليه .. وذهب خيالي يتجوّل في أزقّة جدّة .. بحثاً عن منصور ..

كان ذلك منذ سبع سنوات .. كنت صغيرة وقتها لأدرك أي معنى للظلم والقهر .. لكن ذلك لم يمنعني من عقد معاهدة تعاطف مع منصور "مجنون القرية".

 

أفكّر الآن لو أقترح على والدي إقامة العزاء في بيتنا .. أودّ لو أكون مخلصة في عهدي بالتعاطف معه حتى بعد وفاته .. قرأت أن من شروط قبول الحسنة إتباعها بحسنة مثلها .. وإلاّ فأنني سأكون مثل بقيّة أهل القرية .. بلا قلب .. بلا حسنات ..

 سينعتني والدي : " يامجنونة"

ثم لو كان في مزاج طيّب كفاية .. سيتابع : " كنتُ سأزوّجكِ إياه  لتحتفل القرية بفرد مجنون آخر وعائلة مجنونة لولا أن سيف الموت سبق العذل "

أمّا لو كان متعكّراً  فإنه سيرميني بفنجان الشاي في يده ليفجّر رأسي " مرتع الأفكار المجنونة" كما يسمّيه .

 

خلعت هذه الفكرة من رأسي وقرّرت ألا أبرح غرفتي حتى أقيم له العزاء على طريقتي ....

 

كنتُ امرأة لم "تصبح" بعد عندما عاد بعد سنة منذ تلك الحادثة .. في الحقيقة رأيته مرّتين أو ثلاثة قبل أن تُفرض على طفولتي مراسم الحجاب .. والتي منها : "لا تحادثي منصور" .. "لاتخرجي أبعد من عتبة البيت وإلا سيختطفك منصور ".. "ولاتقتربي من منصور ."

منصور.. منصور.. منصور.. منصور..

منصور سارق اسطوانات الغاز والمنازل والأحذية من المساجد

منصور خاطف البنات وشبح الأمهات والعدو اللدود لكل العجائز

منصور نكتة الأطفال و بؤرة رعبهم

وددت لو أقترب من منصور .. حتى لو أدفع بذلك الفضول ثمن طفولتي آنذاك .. لو أقترب من عينيه لأرى فقط أين كل ذلك من عالمهما الآخر السحيق..هل كان يعي؟.

فعلتها مرّة ..

كنت في طريقي إلى منزل "أم صالح" لأشتري منها بعض الحلوى والعصائر ساعة لمحته يلهو قرب شجرة .. عندما اقتربت أكثر متلصّصة على عزلته .. وجدته يلوك غصنا كان قد انتزعه للتو .. فكّرت أن يكون جائعاً بالضرورة .. ثم حثثتُ الخطى إلى بقالة "أم صالح" المنزليّة.. عندما فتحت لي بدت مندهشة ومفزوعة في آن جرّاء طرقي العنيف على الباب .. ألقيت عليها التحية على عجل دون أي اعتذار ثم تجاوزتها راكضة مباشرة إلى غرفة صغيرة في طرف الفناء كانت تحتفظ داخلها ببضاعتها المتواضعة .

اخترت من كل نوع عددين .. لاأذكر كم نوعاً بالتحديد لكن يداي الصغيرتين و المقبوضتين بشدّة على ماوقع اختياري عليه من حلوى  لم تعد تتسع للمزيد.. في حركة سريعة نفضت يدي وسقط كل مابحوزتي أرضاً .. ركعت على الأرض وقد رفعت طرف فستاني من الأسفل  بيد  .. وبيد أخرى عدت أجمع داخله ما تساقط من الحلوى ثم أستزيد بمجموعة آخرى من العصائر والحلويات .. كل هذا و "أم صالح" تراقبني بتعجّب محيّر كأنها تقول ""لمن كل هذا ؟!".. عندما رفعت عيني إليها -وكنتُ لازلتُ ألهث- كنت

على وشك ان أعترف لها أنني على أهبة وليمة..لكنني تراجعت عندما فكّرت بفرضيّة أن تسألني "على شرف من هذه الوليمة ؟!" و "من هم المدعوون؟".. قبل أن أغادر استأذنتني ثم عادت تمدّني بكيس وساعدتني في نقل مافي خدري إليه .. مددت إليها بما في جيبي من مال لكن المبلغ كان صغيراً مقارنةً بما اشتريته .. شكرتها و وعدتها أن أعود بالباقي  في اليوم التالي .

كان لم يزل في مكانه حين عدت إليه.. تناقص طول الغصن في يده إلى النصف .. هل يمكن أن يكون قد ابتلعه؟! ..دفعتني هذه الفكرة إلى أن لا أريق وقتا في سبيل الاقتراب منه أكثر كي أدعوه لمشاركتي وجبتي .. كان يلهو بالغصن الذي في يده على الرمل .. كأنه يخط شيئاً لكنه لايعرف الكتابة كما أخبرني والدي لهذا  ظننته يرسم.. لانحتاج أن نتعلّم لنصبح قادرين على الرسم .. اقتربت أكثر .. أصبحت في يمينه على بعد خطوه.. كل هذا وهو لايشعر بوجودي.. سمعته يتمتم بشئ لم أفهمه.. فجأه ضحك وشقّ سكون المكان صوته .. أجفلت وفكّرت بأنه خطيراً ومجنونا بالفعل كما قالت لي بنت جارنا المعلّمة : "حصّة". كنت على وشك قذفه بالكيس ثم الهرب بعيداً عندما مال بجذعه قليلاً إلى الأمام ثم أمسك بشئ ما بين أصبعيه الإبهام والسبّابة ورفعها باتجاه الضوء في السماء.. كانت خنفساء سوداء .. ظل يلهو بها بغصنه حتى انقلبت على ظهرها .. ألهذا كان يضحك ؟ .. كدت على وشك الصراخ بـ "لاااااااااااااااا" حين قرّب الخنفساء من فمه .. وبدأ ينتزع بأسنانه أرجلها واحداً تلو الآخر.. بصق أمامه.. ثم همّ بالقذف بها حين رآني ....

تسمّرت مكاني..وتسمّرت عينيه عليّ ..كانت برهة من الصمت والخوف والتنبؤ والدعاء..

لم تبد تعابير وجهه أي شعور تجاهي..ظل متيبّساً.. لفكرة خاطفة بدا لي خائفاً .. لكنني إبنة الرابعة عشرة استبعدتُ ذلك من رجل في العشرين من عمره تقريباً .. ثم للحظة مريعة ظننت أنه لن يغفر اقتحامي عزلته.. للمرة الثانية سمعت صوت داخلي ينادي بأن أهرب.. هممت بالهرب ..تحرّكت إلى الخلف لكن يبدو أنه جفل أيضا من حركتي المفاجئة فهمّ بالهرب بعيدا ايضا .. انتفض سريعاً.. كان على وشك أن يستقيم واقفا  حين أنتبه أني لازلت واقفة مكاني.. اطمئن قليلاً وظهر ينقل بعينيه بين ابتسامتي الخجولة التي بدأت تحبو على وجهي وبين الكيس الذي في يدي.. لعلّه اطمئن أنني لا أحتفظ في الكيس بحجارة بغية قذفه بها .. ولعله أدرك أنني لست من عشيرة الأطفال الذين مافتئوا يرجمونه منذ عاد.. ثم عاد إلى وضعيته .. طأطأ رأسه وبدأ يلهو بخنفساء أخرى .. اقتربت منه .. واجهته.. أفرغت كل مافي الكيس أمامه .. ثم عدت إلى جانبه .. وتشاركنا الوليمة بصمت .

 

لم أخبر أحداً بما حدث كي لا يطالني الرجم ايضاً .. ليس لأنني كنتُ مشروع امرأة وكنت في خلوتي معه .. كنت بريئة جدّا وصغيرة جدا كي أفهم ذلك فأخشى أن يُقام عليّ الحد.. لكن لأنني كنت أظن أن كل مجنون هو مذنب بالضرورة ويستوجب أن يقيم الأطفال الحد عليه برجمه حيثُ وجد وعلى طول الطرقات ..كنتُ اخشى لقب "مجنونة" يتبع أسمي .. فاحتفظت به سرّي الأصدق .. أما والدي فكان سيطبّق بنود الحجاب ولزم البيت عملّيا مباشرة دون أن يضطر لسردها على مسامعي كما كان يفعل كلّما رآني متسلّلة من تحت ارشادته إلى عتبة بيتنا , أو إلى بائع آيس كريم كان يزور القرية مرّة كل أسبوع , ولم أكن لأقاوم صوت موسيقى مركبته التي تشدّني كالمسحورة  وهو يعبر من أمام بيتنا .فكان يقبض عليّ متلبّسة بالـ آيس كريم وبالطفولة التي أرفض مغادرتها أو بالأنثى التي ترفض أن تكبر.

 

صادفته مرّة أخرى في طريق العودة من بيت "أبلا حصّة" .كان مختبئا بين صناديق كرتونيّة عندما رآني فخرج من مخبئه.. ولأنني كنت قد عقدتُ النيّة منذ لقاءنا الأوّل  على استجوابه كما يليق باعتبارنا صديق وصديقة .. فقط طلبت منه مرافقتي إلى الزقاق الخلفي الكامن خلف بيتنا كي لايقبض والدي علينا متلبّسين بالحديث ساعة يرانا . رفض أن يتحرّك من مكانه قبل أن أسقيه كوبا من الماء.. عدت أطرق باب جارنا بعد أن فكرت بسبب أعلّل به  عودتي إليهم .. سردت عليهم قصة أظنها أقنعتهم أو ربما غير ذلك .. لكنني في كل الأحوال فزت بغايتي .. لم أفكّر أبدا بجلب الماء من بيتنا لأنني قد أجد صعوبة في الخروج من جديد.. ناولته الماء ثم لما فرغ وضعت الكأس قرب الباب ومسكت بيده راكضة به إلى الخلف من منزلنا.

 

لازلت لاأصدّق جنوني حينذاك.. ولازلت لاأصدّق أنني امتلكت تلك الجرأة يوما  .. وكان لي دور البطولة في علاقة سرّية .. ربما كنتُ أكثر جنوناً منه وللعناية الإلهية لم يكتشف ذلك أحد .. طفولتي التي لازالت تنام معي وتفكّر معي وتأكل معي وترى معي وجّهتني إليه .. وكان طفلاً .. بإستثناء جسده الكبير نسبياً .. صوته الغليظ المتآكل والمتداخل حرفه .. وزغب خفيف تحت أنفه .. كنتُ أرى في عينيه الزائغيتين طفولة ضائعة .. الأطفال مرآة بعضهم .. وكنتُ طفلة .

عندما أتذكّرهما الآن .. عينيه .. أتمنى لو أنهما أمامي لأغوص فيهما أعمق.. فيهما سحر الضياع الذي يرغمك للتيه فيه ..  فيهما مصير سحيق يترصّد بصاحبها .. فيترصّد بألمك .. عينيه السابحتين في فضاء الغيب والتيه استعمرتني منذ ذلك الحين .. لازلت أذكرهما جيّدا .. ولاأذكر أن كنت أفهم سرّ تسمّري أمام نظراته الزائغة ذلك الوقت .. ربما انشغلتُ بتأملهما ومتابعتهما كلّما تحدّث أو أطلقهما إلى الأفق البعيد باحثاً عن لاشئ.

 

وفي الخلف ,, كسرنا السائد.. لازلتُ الآن اقرأ عن الممرات الخلفية .. والشوارع الخلفية .. والأزقّة الخلفية .. وكيف ترمز إلى غموض وجريمة وحدود متجاوزة ودم أحمر وخطر عصابة  وتشرّد وصراخ وخوف وبكاء .. لكني لم أكنّ ألوّث أفكاري بالقراءة بعد لأرتدي خفيّ الإصرار وأذهب بقدمي إلى منطقة الخطر.. كنتُ مسيّرة ببصيرة طفوليّة .. وبأفكار عذراء .. ورؤية بكر . لذا عندما انتبهت إلى خشونة هذه اليد التي تقبض على يدي بشدّه.. تذكّرت تحذيرهم لي بعدم الاقتراب من الرجال الغرباء.. بعدم التحدّث إلى الرجال الغرباء و "لاتدعي رجل غريب يلمسك" .. رفعت نظري إلى عينيه  وكانتا لا تزالان تبحثان في المستقبل عن لاشئ .. عينيه الطفلتين اللتان تشبهاني تماماً .. تركت هاجس الخوف والحذر جانباً, وأكملت سعينا إلى حيث أنوي.

جلست على طوبة كانت ملقاة جانباً فيما تمدّد هو على كومة الرمل أمامي .. بدا لي متعباً ومنهكاً ويغالب نعاساً..سألته "أين نمت الليلة الماضية؟" .. فراح يقصّ علي بفخر كيف تسلّق سور منزل "ابو عارف" بعد أن لحقت به إحدى الكلاب المسعورة.. يقول أمضى تلك الليلة وهو يرجمها بالحجارة كما يفعل معه الصبية .. لمحت شرارة سعادة في عينه اشتعلت ثم انطفأت سريعاً . لم أعي سبب تلك السعادة حينها لكنني أدرك الآن أنها فرحة الانتقام .. رفع ثوبه الرث والقذر تماما وكشف لي عن ساقه الملطّخة بالدماء المتخثّرة  جرّاء تسلّقه السور.. فكّرت لماذا لا يعطي "ابو عارف"  مفتاح منزله لمنصور  ليبيت فيه طالما لايزور القرية هو وعائلته إلا مرّة كل بضع سنين .أخبرني أنه كل ليلة يتسلّق أسوار أحد المنازل الغير مأهولة بسكّانها ليؤمن نفسه خطر الكلاب و الذئاب المفترسة.. وأنه لم يسرق بضاعة "أم صالح" كما أُشيع في القرية مؤخّراً لكنه رأى "صالحاً" ورفاقه يضحكون مجتمعين حول مجموعة كبيرة من الحلوى قرب أحد المزارع يظنّها من بضاعة أم صالح .. وأنه بالفعل سرق نعجتين من نعاج "الكلب" ابو ابراهيم لأن هذا الكلب "كما يسمّيه" شتمه وبصق في وجهه عندما عبر من أمام بابه ذلك النهار.. وأنه يتمنى لو يحذّر جميع أهالي القرية بأنه سينتقم من أطفالهم إن هم لم يردعوهم عن رجمه والتندّر به لكنه يخشى أنه لايستطيع ذلك حقّا  لأنه يحبّهم ولأنه يستمتع بمراقبتهم يلعبون من بعيد .. ثم قال أنه يحسدهم أحيانا لأن لديهم أباءً وأمهات .. وأنه عندما ذهب إلى "جدّه" منذ عام فلأنه كان يبحث عن والده الذي سمع من شيوخ القرية أنه تزوّج بعد وفاة أمه وانتقل للعمل إلى تلك المدينة الساحليّة ..  فجأة اعتدل في جلسته ورمقني بنظرة غريبة ثم وقف وركض مبتعداً ..لماذا ركض ؟ أتساءل الآن ..!! ربما كان خائفا من أن أشي به/ بهمّه  .

لم أره بعدها إلا من كوّة الباب بعد شهرين من ارتدائي الحجاب الفعلي .. كان يعبر من أمام منزلنا عندما فكّرت أن أتلصص على الصغار الذي يلعبون في الساحة أمام البيت .. كأني لمحته ينظر إليّ عبر الثقب ..راقبته وهو يسير مطأطئ الرأس وفي يده عصا يقتادها أمامه ويرسم بها خطاً عشوائيّا على الرمل .. ثمّ أختفى عن محيط نظري.

أذكر مرّة سألت أبي عن سبب تخلّفه وقصور نمو عقله .. حكى لي عن والده .. وكيف أنه في المرات القليلة التي كان يزور فيها القرية بعد نقله إلى جدة.. كان يمسك به على مرآى من كل رجال القرية وصبيتها المصلّين ثم يضربه حتى يجعل جمجمته ترتطم بحائط المسجد مرّات متتاليّة كلّما شكى له أحد من تصرفات ابنه الشقيّة .. كان عمر منصور آنذاك خمس سنوات وكان يعيش مع جدّته لأبيه .. زاره بعدها ست مرّات تقريباً على فترات متباعدة ثم انقطع تماماً .. ماتت الجدّة .. اختفى الأب .. وضاع منصور, وجُنّ منصور.

واليوم مات..

وجدوه ممددّا بين الأحراش في أحد المزارع القصيّة .. لعله قصد ذلك المكان ليقضي ليلته  مختبئاً من الحيوانات المفترسة .. وأغلب الظن أنه أُفترس من قبل حيّة سامّة تسلّلت إلى مخبأه .. بذلك أشار طبيب القرية الذي شخّص سبب موته .. يقولون كان جسده  مرقّعا باللون الأحمر والأزرق .. وكان متورّماً ..بارداً ... و وحيداً ..

 

 

 
 
 
 

الصفحة الرئيسية  _  إلى الأعلى

 

 

فراديس .. ثقافة حرّة _ المواد الأدبية