|
في الرّكن الأقصَى من المدينةَ الّتي
تَثمل
كُلمَا هطل المطرْ..
أزهقتُ روحَ المنبّه .. و مددتُ ساقيّ لتستقبِل بصبصَ
الضوءِ المنشقّ مِن غيمَة ، وأمارِسُ هِوَايَتي
الطفُوليّة ..اُدخِل إِبهام قدمي في
ثقُوب الدانتِيل و أقيسُ طاقّة تحمّله للشّد
!
صوت هاتفي النقال الذي لا أذكُر
امتلاكَه يذكّرُني بموعدِ مقابلَة وظيفةٍ انتظرتُها
لسنواتْ..
أَن أكونَ طالبةً
مغتربة شئ وان أكون طالبة مغتربة تحبُّ السّهر و
المرَح ، والاختِلاط بمجتَمع
الانجليز المُخمَلي شئٌ آخر..
مكافئتِي الشّهرية تَتَبدّد بين شراء آخر فساتين
أرماني و أحذية جيمي تشو، حفلات الكُوكتِيل و إيجار
السيارات التي لا تشبه
خُنفسائِي!
ومن رحمة الله بِي أن رزقني بجارتي العزيزة سوزان
صديقة والديّ
عندما كانا يقطُنان نفس الشّقة الرطِبة الّتي اسكُنها
اليَوم
..
رفِيقة
السّتينات والسّبعينات و حفلات الجنون الغجرية!
مزودتي بصواريخ الغيمة
التاسِعه.
مَا إِن شرعتُ في التّفكير بِها حتّى سمعتُ طرقَهَا
الموسِيقِي على
بابي المتهالِك
..
-
مينااا ، ميناا
-
نعَم ، سيدة كيرتِن ماذا تريدين
..ألا
تكفي (هالة) الهلَع الّتي ولَّدها هذا الصباح حَولي .؟
-
مِينا عزيزتِي ،
أريدُ ذلِك السي دي الذي أهداهُ لي والدك قبْلَ سنوات
.. أُغنية ( هبيبي يا هبيبي ،
كتبت اسمك
.... )
-
يا إِلهي
..!
-
نعمْ نعم هِي أين هيَ؟
..
لمْ يكُن
مِزاجي مُستعِداً لسيّدة انجليزيّة بشعر ٍ أحمَر
تُطالِبني بأغنية لِطلال مدّاح
!
تبرّمت قليلاً و قُلت الشقّة ملكٌ لك هذا الصباح
فتِّشي في كلِّ مكان
.
القَهوة
!
كدتُ أنْسى القَهوة كيفَ يُمكنٌنِي أداء هذه المقابلة
بدون
(يقَظَه)
..
حاولتُ للمرّة الألف هذا الأسبُوع إدارةَ ماكينة
القهوة خاصّتي و
لكِن بِلا جَدوى..
تفَحّصت سوزان هيئَتي و حدجتني مطولاً ، هَل تنوينَ
الذّهاب
لمقابلةِ العمل هكَذَا ..؟
يجـِب أن نبحَث لكِ عن قميصٍ رسمي و جاكيتْ و...
قبل أن تنهي جملتها أمسكتُ بيَدِها المتجعدة وقدتها
إلى خزانة ملابسي لتشهد
الصاعقة
..
لا امتلِك أيّ قِطعة ( رسمِيّة )، القِطعة الرّسميّة
الوحِيدة هي
فستان أسود مقفل جيداً ككفن أرتدِيه في مناسباتِ
العزاءْ
!
أصَابَ اليَأس سوزان
بسرعة وقرّرت ( إِعارتي) قميصَهَا العتِيق
..
بعدَ غيابِ لحَظَات أسْرَعتُ
بارتدائُِه وفُوجِئت بِأنّ أزْرَاره العلويّة نسِيَت
الحضُور
!
أدركتُ بالنّظر
لصُورتِي في المِرآة بأنّ الوظِيفة المسانِدة لَن
تكُون مِن نصيبي وانّ النّوم
مجَددا سيكُون حلاً أفَضل.
بينَما انهمَكتُ في صياغةِ التراجِيديا تناولَت
سوزان من صندوقِي مشبكاً قرمزياً وأقفلت به نافذتي.
-
والآن الاسبريسّو يا
سوزان أسعفِيني
.
-
امممم للأسَف يا مِينا سأطلُب منكِ تناول الفُطُور مع
عطَا،
لأنّنِي تأخرتُ كثيراً عن زيارة والدتي.
كل شئ مقبول هذا الصّباح إلا عطا
!
،
قِبطي و مُغترب (مثلي) يحبّ تنَاول القهوة صباحاً
ويتفنن في تحضيرها
.
لكن لمَ
لا .. ؟
عطا يحب تناول فطوره والتجول في شقته المرتبة جدا
ببدلةِ ميلاده! ينظر
للمَطَر ويغزلُ مِنه حبيبته!
وذلكَ المنظر كفيل بتثبيط شهيتي وعزيمتي و كل ما
يمكن التفكير به.
حاوَلتُ تجاهل كل ذلك لان جيبي فارغ و ستاربَكس لَن
يرحب بي
!
-
صباح الخير عطا
-
صباح الخير يا سي مينا
!
-
كيف حالُكَ اليوم .؟
-
أجمل حسبمَا اعتقِد.
-
جميل جميل ، سيّد عطا ممكِن اشرَب معك ( أهوه ) ؟
-
زوجَتي رحمها الله كانت تثمَل كثيراً ، و تُصبِح
قبيحةً جداً.. تتَهشّم
المَرَايَا مِن ( نُباحِها).
هَذَا العَطَا فيلَسُوف وأَنا في عجلةٍ ،
تأمّلت المكَان بعيداً عن طوله المنتَصِب أَمامِي.
لمحتُ ماكينة الاسبريسو تنضح
بالجَافَا وأتمايَل مع قطرَاتِها.
-
أمّك يا مِينا كانت من الإسكندرية صح ؟
-
لا يا عطَا أمّي رحمها الله من دِمشق!
-
أوه دمشق صحيح ، لذلك أنتِ
ياسمينه ؟
-
امممم لا اعلم حقيقة ، عطا أرجوك ناوِلني كُوباً
..!
ثوانٍ
فصلتني عن الغَرق في كٌوبِي و استعجَال الفولكس بإلحاح
، تتخبط قليلا في الزّقاق و
تُطرطِش المَاء على المارّة.
حتى استقَامت على الطّريق السّريع
.
عندما
أخرج من شقتي الرّطبة أشعرُ بأنّ الله بعثني من جديد ،
فالصّيف كسُول / مُمطر/
وبَخيل في كلِِّ شئ من الحبّ وحتى المصروف.
انظر لعينيّ في المرآة و اكتشفُ
أنني لم أتبرج ، لم أكحل هذين الجاحظتين كعينيّ ضِفدَع
!
يا إلهي وجهي شاحب
جداً ، كجثّه
.
أراجِع ما تعلمتُه خلال العامين الماضيَة ، عُلوم
الإدارَة ،
السّكرتَاريَة ، الاِستقْبَال التودِيع ، أنظمة
الملفات ، إدارة الاتصالات .. إلخ
.
علمت أن شركة أم تِي بِي هِي مقرّ المُقابَلة بسبَبَ
الاِزدِحَام المُرعِب في
مَواقِفها الخَاليَة عادةً.
الممَرّات تمرّ كفِيلم سريع جداً بسبب ركضِي ،
حَقيبتي تُصدِر أصواتاً مزعِجة و شعري يزدادُ تمرداً
.
انتَهت رِحلَتي
الصارُوخِيّة بقاعةٍ رخاميّة واسِعة امتدّت عَلَى
جنباتها الكراسِي و المكاتب
الصغيرة لاداء اختبار التقدم للوظِيفة.
آنساتٌ مصقولات جيداً بارتفاع ستّة
أقدام و أكْثَر ، اطنانٌ من الزّينة و ارجُل تشتبك
برشاقَة
.
بدأت أصابُ
بالدّوار ، هذا ما يحصُل عندَمَا اُمضِي نهايةَ
الأسبوعِ في حالَة ( فقد) مستمّرة..
ثم أنطلِق راكِضَة
!
تقدّم نحوِي موظفُ استقبالٍ يحاوِل إخَافَتي بحنَقِه
لتأخُّري ، وبحركةٍ عفوية أمسكتُ بكفّه و وضعتُه على
صدرِي المضطَرِب لهاثاً ( حركة
ذكية جداً تعلمتُها من كوكي جارتِي).
لأثبتَ لهُ أنّني عانَيت من مشقّة كبِيرة
في الوصولِ إليه
.
راقبتُ المسكِين وهُوَ يبتلِع دهشَته ولعابَه سويّة!
ثم
أشارَ لمقعدٍ في زاويةْ الصّالة لأسترِيح..
أدّيتُ الاختبار بسرعة و أصابتني
الأسئلة ( التقنية) بتشنج
..
خلال فترةِ الانتظار لمقابلتي أثارَ انتباهِي
موظفٌ عجوز يقطعُ المكَان جيئةً وذهاباً، ينظر نحوِي و
يبتعد عندما ألحظُه.
بعد
مضي دقائق واقترب ليصافحني
.
-
مِينا ؟ .. ياسمين عبدا لجبار ؟
- ...
نعمْ!
-
أنا سيدرِك بيلُون ، جارُكُم السابِق في ليفربُول
.
-
أوه سيدرك ، أنتَ
الّذي بعثتَ لي بطاقَةَ العزَاء ( الموتُ لا يحسّ ولا
يهمّه إحسَاسُك .)كانت
محفِزَة جِداً ، قرأتُها مرّات ومرات بعد وفاةِ
والدتِي وعالجَت كثيراً من جروحِي.
-
وجدتُ اسمكِ في لائِحة المتَقدّمَات ورأيتُ أن آتِي
لتحيّتك. مِينا هل
تعانِين من مشكلة ما .؟
-
لا سيدْ ، لمَ تسألني ذلك ؟
-
مظهرُكِ رثّ ، و
تبدين مشتّتَه
!
أشار لي أن اتبعه إلى مكتبه قليلاً ، و فعلت.
انظري إلى
هذا الشّعر المتمرّد والقمِيص المهترئْ هَل تعتقِدينَ
أن شرِكَة بضخَامة أم تِي بِي
ستُوظّفك ؟
-
امممم ، في الحقيقة لا .. موضُوع العَمَل هذَا برمّتِه
ليس من
اختصَاصِي لكِن سوزان كيرتن ألحّت كثيراً
.
-
حسناً سنفعلُ شيئاً لِعلاجْ ذلك.
امتَدّت يدُه إلى مشبَكِي القُرمزي و حرّر القمِيص ،
وجمَع بعض خصلاتِي
للوراء بِه.
خرجَ قليلاً لجمع ( الموديلز) في الخارج و احضَرَ عدّة
تبرُّج
.
هيّا أضيفِي بعضَ الألوان لسحنتِك.
-
ولكِن القميصْ ؟!
-
لا يُهِم
اظهِِرِي بعضَ مفاتِنِك ، مسئول المقابَلَة لَن يركّز
كثِيراً في إجابَاتِك على كلّ
حال!
وانتهى حديثنا بابتسامة خبثٍ أبوية من سيدرك.
نهاية تلك الصيفيّة
العجِيبَة لم أحصُل على وظيفَة ، ولم أحبّ مجدداً ،
وبدأتْ أكوامُ الفوضَى
تلتَهِمُني جَنُوباً
! |