|
تنطلق هذه الدراسة من إحدى الرؤى النقدية الحديثة التي
من شأنها النظر إلى الأشياء المهمشة والمنسية و
المسكوت عنها وذلك باعتبارها نصوصاً لها من الأهمية ما
للمتن من أهمية.
قليلة هي الدراسات التي نظرت إلى رسوم الجدران
والخربشة بخاصة من زاوية الأدب، لأننا بحاجة إلى
دراسات معمقة لهذه الظاهرة تتصل بالنقد البنيوي أو
الأركيولوجي مثلاً, بل إن أغلب تلك الدراسات اتجهت إلى
هذا النوع من الكتابة والرسم من زاوية (علم النفس
العام) و(التحليل النفسي) و(التوجيه التربوي)
و(الاجتماعي) وهذه كلها وإن اختلفت في ظاهرها تقترب من
بعضها البعض إلى درجة كبيرة وتصل إلى نتيجة نفسية
مشابهة.
أما قراءة الكتابة على الجدران من زاوية النقد الأدبي
فلها أن تأتي بالمزيد وأن تكشف عن العوالم السرية لتلك
النصوص.
والتأويل الرمزي لهذه القراءة يحاول أن ينفتح على
المقروء البصري كنسق ثقافي انتقلت هويته من التشكيلي
إلى السردي، وأصبحت دلالته تكمن في بنيته المكتوبة.
كما تعالج هذه القراءة العلاقة الخفيّة بين السردي
والتشكيلي وذلك من جهة أن الكتابة على الجدران تمثل في
حقيقتها نصوصاً سرديةً مفتوحة تختبئ بداخلها قصص
الأشخاص وأسرار المجتمع وثقافتهم الحضارية.
منذ زمن بعيد وأنا أتأمل تلك الخربشات على جدران
الأحياء الفقيرة وبعض الأماكن والطرقات, وكأنني بذلك
اكتشف شيئاً جديداً لنص مختلف، شيئاً أكبر من كونه
نصاً.
وهو أمر جعلني اقرأ تلك الرسوم واربطها بحقيقة الفشل
الحياتي و لغة لـ(الفضح) و(التعرية) و (العنف)
و(الوحشية) و(الانقلاب على السائد), وهي مستويات تختلف
باختلاف مظاهر الرؤية والتفكير.
تعتمد رواية(غير.. وغير) لهاجر المكي على توظيف
الكتابة على الجدران كعنصر سردي مهم في تشكيل الخطاب
السردي, تبدأ الأحداث الروائية من خلاله، وتعتمد على
وجوده, تقول:
"(الموداني
مقلوب), كتابة بالدهان الأسود الغليظ تمتد بطول السور
المقابل ... يجلس مراد الموداني في مكتبه ويشعر أنها
موجهة له هو المعيد أستاذ النحو …." .
إن
الخربشة على الجدران في هذه الرواية تمثل نوعاً من
الإدانة والرفض فالشخصية( مراد الموداني) الذي تطارده
هذه الكتابات من أشخاص لهم أحداث مسبقة جعلتهم يقومون
بهذا التصرف.
وعلى مستوى آخر يعتبر غلاف الرواية دليلاً قاطعاً على
ما تهدف إليه الرواية من اعتبار (الخربشة ) الكتابة
على الجدران مهماً في تشكيل الخطاب السردي.
ويدل الغلاف أيضاً على مدى وعي الروائية بهذا النوع من
التعبير الذي يصفه البعض بالتشويهي والمرضي والشاذ,
بينما هو في حقيقة الأمر له دلالات نفسية واجتماعية
وأيديولوجية وثقافية.
وفي رواية ( الفردوس اليباب) لليلى الجهني, يأتي
المكان البطل(جدة) لتقول الشخصية متأملةً بعض المشاهد
البصرية:
"
جدة: البيوت الأنيقة المحوطة بالشجيرات والجدران
المخربشة: الأهلي(….) كلمة بذيئة بين قوسين, تحتها
وبلون آخر, الاتحاد…. كلمة أشد بذاءةً بلا قوسين".
إن
الكتابة على الجدران هي الطريق إلى نوعية الأشخاص, وما
ترسمه من تضادية بين ثقافة الشارع وثقافة البيوت.
ودلالة الكلمة البذيئة هي التي باستطاعتها أن ترسم
تشكيلاً سردياً لطبيعة المجتمع, وبخاصة أن الأهلي فريق
كروي من مدينة جدة, كذلك الأمر لفريق الاتحاد, لتدل
على مدى التنافس بين الفريقين, وأن خلفهما تختفي
حكايات وقصص الجمهور الذي يتنافس بطريقته في الشارع
فيكتبها على الجدران.
ودلالة الأقواس هنا تعني المحاصرة والتقييد, وتدل
أيضاً على مدى أهمية العبارة ذات القوسين وأما الأخرى
فلا.
ولهذا تلتقي سردية كتابة الجدران (الخربشة) مع سردية
النص الروائي, لتشكل بذلك خطاباً سردياً واحداً.
هل
نستطيع أن نعتبر الكتابة على الجدران نوعاً من التسجيل
للذاكرة؟
أليست عبارة(ذكريات أبو ...) والتي نجدها غالباً
مكتوبة على الجدران دليلاً على تسجيل الذكرى لشخص ما.
من
هنا, وعبر هذا المنطلق, نصل إلى عمق السرد, لأنه
الإحساس بالزمن, ومحاولة تسجيله وتدوينه وجعله كذاكرة,
هي النقطة التي يعيشها النص السردي.
لهذا ترتبط الكتابة على الجدران بالسرد في نقطة الزمن,
لأن الذاكرة هي أفيون تلك الكتابة والخربشة لتنتقل
بذلك من عالمها التشكيلي إلى عالمها السردي.
كما أن بعض تلك الذكريات المكتوبة على الجدران يقوم
كاتبها بتسجيل التاريخ وتحديده بالعام والشهر واليوم,
وكأنه بذلك يسجل سرداً ذاكراتياً بطريقة بصرية.
وفي رواية(موقد الطير) لرجاء عالم, تأتي (الخربشة)
مرتبطة بذاكرة الشخصيات, تقول إحدى الشخصيات:
"
ولجت عائشة لقبتها.في الداخل لم يكن غير حصيرة من جنس
الخيوط الزرق كثيفة على نسج الجدران شهقت عائشة:
هذه دميتي!. رافقتها هذه الدمية طفولتها بعد أن عجنتها
من طين وخبزتها في النار لتخرج لها مثل دهشة ضاعت
يوماً، وفي بحثها صارت تخربشها على الأبواب والجدران،
ذراعاها منسوجتان هنا في الزرقة...".
وفي نهاية المقطع تقول:
"
هذه الجدران تُرجِّع لعائشة كل النقوش التي خربشتها
على الجدران ومقاعد الدراسة والأوراق".
تمثل الخربشة في هذه الرواية ذاكرة للشخصية الأنثوية
(عائشة)، فيها تختفي ملامح الطفولة ورموز اللعب مع
الأشياء.
فالجدران هنا هي التي قادت الشخصية في أن تعود إلى
الماضي مسترجعة بذلك وجودها ووجود أشياءها التي عاشت
معها مرحلة من الطفولة، لتصبح الخربشة أزمة وجودية
لربط الماضي بالحاضر وكذلك بالمستقبل.
وليس ضياع الدمية إلا رمزاً لعدم ضياع الذاكرة، كمستوى
نقيضي للمسألة تلج من خلاله الأفكار السردية عوالم
الانبهار بالذاكرة عبر مستوى تشكيلي.
وإذا كانت الكتابة على الجدران تمثل في إحدى مستوياتها
أنساقاً ثقافية تعبّر عن المجتمع والأشخاص، فإنها تتصل
بذلك عبر كونها تمثل (المهمش) و(المسكوت عنه)، وعلى
مستوى آخر من مستويات (النقد الثقافي) لنصل إلى أن تلك
الكتابات لا تمثل القبح والتشويه كما يظنها البعض، بل
هي سلوك حقيقي للتعبير غير المعلن عن الواقع، ومحاولة
التمرد على الخطأ.
كما "إن كتابة الخربشات من وجهة نظر علم الخط غالباً
ما تكون صعبة القراءة، غير أن الوثائق المكتوبة بهذا
الشكل، والتي لم تكن تستهدف الآتي من الزمن،غالباً ما
تصبح ذات أهمية كبرى في معرفة الحياة اليومية، وحديث
الإنسان الشعبي".
وعبارة (تستهدف الآتي من الزمن) هي الغاية من ذلك،
لتصبح المسألة أكبر وتصبح الكتابة خطراً على الزمن
وإدانة له.
وتكشف هذه الخربشات أيضاً عن مقاومة روحية مذهلة تجاه
القمع الاجتماعي والأسري، وستكمن حرية الانتهاك في ضرب
الرمز نفسه وإهانته وتشويهه "هذا الرمز الممثل
بالجدران والحوائط العالية الأسوار، سيكون عرضة للنبش
والاختراق والهدم المعنوي، وسيكون مرتعاً خصباً لترويع
الكبت والانتصار على وهم الآخر وسلطته وطمسه وتركيعه".
والمسألة الروحية هي التي ترسم بذلك انعتاقاً فلسفياً
لهذا الوجود.
وخطورة الخربشة تكمن في سرديته "فليست عبارات الهجاء
والرفض والعبارات الساقطة البذيئة والمشوشة إلا
توصيفات مهمة تقدمها لنا الحدود اللغوية عن الخربشة،
باعتبارها مدلولا مؤشراً على محتوى خطابي". وتبدو هذه
الأوصاف السالفة ذات إطار قيمي مؤشر على مواصفات سالبة
لها السقوط والهجاء. فالمشكلة في النهاية هي مشكلة لغة
وأزمة حوار وتفكير لهذه المسألة.
والكتابة على الجدران تعتبر على المستوى السردي احد
الشفرات السرية التي تتعامل بعض العصابات وتجار
المخدرات والجنس والجريمة كنوع من الإشارات الدالة على
بعض طرق التعاون والتبادل.
وتلك الرموز والعلامات (التشكيلية) تكتب على بعض
الجدران كنوع من التحديد للمواقع واختيارها بدقة
وبعيداً عن رقابة السلطة.
وهنا يحضر عنصر المكان مثلما حضر عنصر الزمن كبنى
سردية للكتابة التشكيلية. وكأنها بذلك لغة خاصة شفرة
موحّدة تحتاج إلى فك وتأويل.
وسردية الكتابة على الجدران تتصل أيضاً بعالم الحلم،
ذلك العالم الذي له منطقه الخاص، والمختلف عن منطق
الواقع.
إن
محاولة النظر إلى تلك العلاقة بين (الخربشة والحلم)
لهي علاقة اتصال وتشابك، تتحد من خلالها قصص الأحلام
مع لغة الكتابة اللامفهومة في مضامين ورؤى يصعب على
المرء فهم رموزها وشفراتها بمعزل عن المظاهر الخارجية
والعوامل التي أدت إلى ذلك.
وإذا كانت الكتابة والرسم تعبّر عن اللاوعي بدرجة
كبيرة، فإن محور تركيب تلك الأفكار قد جاءت من عوالم
رمزية لها جمالية الخيال والاندماج مع الفكر السريالي.
وهي عوالم قد ألغت سابقاً الكتابة بوعي كامل وذلك
لتعبّر عن محتواها الكامن بداخلها وتعبّر عن المكبوت
واللاشعور. وكأنها بذلك نوع في الهروب من الواقع بل
ومحاولة إلغاؤه وطمسه بكل الطرق.
وليست الكتابة على الجدران ببعيدة عن عوالم الهلوسة
والهذيان التي تشترك معها في المنطق العبثي للتصورات
وفي تفتت المادة الأساسية للفكرة لتدل في النهاية على
تفتت شخصية هذا الزمن.
والقراءة الأدبية للخربشة من شأنها أن تصل بنا إلى لغة
أخرى، لغة جديدة، تتجاوز فيها لغة الحلم ولغة العبث
إلى لغة الرسم الأكثر تعبيراً وتعقيداً.
ولهذا فإن التفكير الفلسفي لتلك العوالم الخربشية لأمر
يقودنا إلى الطريق الصحيح في كونها تعبّر عن أزمة
الإنسان في زمن الآلة وهشاشته، ومحاولة منعه وسلب
إرادته وحريته وجماله.
إنها تعبير عن أزمة الوجود!.
|