|
لا أعرفهم، سائقي التاكسي. وأحيانا حتى لا أرى وجوههم.
لكن لطفهم غمرني. خاصة وأني احتجت اللجوء إليهم كثيرا.
لا أعرف أي مكان هنا ولا حتى هناك في الوطن، عانيت
دوما من فقدان الحس بالاتجاهات ،
في كل دولة الإمارات لا أعرف سوى موقع بيتنا، ومن
الاتجاه ذاته فقط.
قد أقضي يوما بأكمله في محاولة العثور على مكان ما
وأكتشف في النهاية أنه كان طوال الوقت أمامي في
الشارع المقابل. ما السبب يا ترى؟ صراحة لست أدري.
البعض يقول إنه نوع من ضعف حاد في التركيز( والبعض
يستمتع بالتلميح بخلل عقلي), لكن زميلتي الألمانية
تفسره بأنه أحد أعراض العبقرية. وذكرت أمثله كثيرة
لعباقرة غيروا وجه العالم بالرغم من عوارض عجيبة
ألمّت بهم. بدأت أحب الألمان، وبالمناسبة فهي فتاة
عميقة التفكير وبعيدة النظر جدا, صدقوني.
***
سائقي التاكسي في دندي..ليسوا مجرد سائقي تاكسي. إنهم
بشر..لأقصى حد. رغم أني في البداية ، أعترف، كنت
مرتابة من كل هذا اللطف ، ففي النهاية سائق التاكسي
شخص غريب من المحتمل أن يكون قاتلا متسلسلا (صديقة
مهووسة اعتادت ملأ رأسي بأخبار الجرائم، ما علمت منه
وما لم تعلم، والإنسان يتأثر، حتى أكثر الأشخاص
عقلانية ومنطقيه,, مثلي)
، لكن التجربة كانت لطيفة بشكل صادم تماما.
***
يقول : " هانحن يا حبي"
ويباغتني الوصف. حبي؟؟؟!!..من يظن نفسه .؟!..أي حق
يمتلكه؟؟ أية جرأه؟؟ وتأخذني النعرة العيناوية و ابتدأ
في المخايره بين الرد العنيف لتلقينه درسا لا ينساه
وبين التجاهل التام مع وعد نفسي ألا أمتطي تاكسيا
مجددا حتى وان اضطررت لاستبدال مخي بآخر يستوعب
الاتجاهات. وفيما أنا في خضم معركتي العقلية المحتدمة،
إذ بابتسامة بريئة حد الطفولة يرسمها على محياه وهو
يسألني ،(بعد أن لاحظ ترددي) :" هل أخطأت في العنوان؟"
فأعيد أسلحتي في مكامن خلايا المخ، أتنفس وأطمئنه :
"لا ، أبدا، لم تخطئ" . أسلمه أجرته وأخرج بحمقي.
هو ليس ذنبي, فالعالم تطور منذ الخلق الأول، وصار
ملوثا جدا. لكن يبدو أن دندي سقطت خارج التاريخ. الناس
في دندني لازالوا يحتفظون بطينتهم البشرية الأولية..
فهم يبتسمون لك دون أن ينتظرون ابتسامتك لهم في
المقابل. هم يفترضون مسبقا أنك إنسان مثلهم، وأي إنسان
مثلهم فهو "حبهم". هم يتصرفون بمنتهى اللطف مع فتاه
جميلة (مثلي مثلا) دون نية في التعقب أو إزعاجها بأي
شكل. هم لا يريدون أي شئ من أي أحد. إنهم فقط أشخاص
لطفاء جدا. شئ مذهل!
***
سائق التاكسي في دندي هبة جليلة، تماما مثل علبة كوكا
بعد وجبة دسمه. فهو يعينك على هضم صداع الحياة اليومية
بسهوله . على عكس طيبي الذكر سائقي التاكسي عندنا،
الذين يحرصون على قتل كل عصب حي فيك عقابا لعدم
امتلاكك سيارتك الخاصة . ويقول العالم بأننا شعب مدلل
لأننا نصر على امتلاك سياراتنا الخاصة، حسنا، ليحضروا
لنا مثل سائقي دندني، وسيرون كيف ستزدهر تجارة بيع
السيارات الخاصة في الإمارات،، على ضمانتي.
***
كان يسأل إن أحببت دندي, كنت قادمة جديدة، وفي عقلي
أقفال كثيرة ضد احتمالية أن تكون مدينة صغيره عالم
بذاتها. أجبته بجفاء : " لم أر الكثير بعد" ، لاحظ
امتعاضي، وبدلا من اتخاذ موقف سلبي أو حتى محايد، أجاب
: "لا تقلقي يا صغيره، ستكونين بخير تماما".
ناداني ب "صغيره"، على الرغم من تجاوزي الثلاثين ! (
بأشهر معدودة)، أراحتني نغمة التعاطف في صوته وأرخت
توتر أعصابي، ابتسمت و قلت :" أنا بخير منذ الآن، شكرا
لك" . وضحك بقلبيه. .تماما مثلما كان يضحك أبي. يمكن
لسائق تاكسي أن يكون أبويا جدا.
أحسست بأني في الوطن..بعيدا عن الوطن.
إشارات لطف صغيره قد يكون لها آثار سحريه، إنها تحول
القلب الثقيل إلى قلب خفيف مرح..في لحظات. هذه إحدى
معجزات دندني.
***
كان الوشم الغريب يغطي كامل ذراعيه العاريين، يربط
شعره الطويل المنفوش على شكل ذيل حصان.. نموذج مثالي
لبطل فلم مرعب. انتظرني لأكثر من ساعة، ثم حين عدت فتح
الباب وحمل حقائبي دون أن يرفع حتى نظره إلي، وحين
وصلنا رفض أخذ أكثر من 3 جنيهات أجرته الأصلية، وقال
بنغمة تقطر امتنانا: "شكرا لكِ، اعتني بنفسك."
يشكرني بحرارة لمجرد إعطائي له أجرته الأصلية، رغم
انتظاره الطويل دون تململ.
"المظاهر لا تخبرنا أي شئ" من قائل هذه العبارة؟؟
..أيا كان، أنا أصدقه.
***
يمكن لسائقي التاكسي أن يكونوا أكثر من سائقي تاكسي.
يمكنهم أن يكونوا قوارب نجاة. و في دندني، هم قوارب
نجاة متينة ..فولاذية..ومصفحة.
في دندني..تأكد أنك لن تغرق..
مهما كنت سباحا جاهلا..
ومهما صار بحرك أعمق.
***
ملاحظا طريقة لباسي المختلف، قال بسكينه :
"لا دخل للإسلام في كل هذه التفجيرات والفوضى، إنه مثل
المسيحية، كلمة الرب، وكلمة الرب رحيمة. هل أنا محق
حبي؟"
أجبته وأنا أودع دندني:
"محق تماما، حبي" |